عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
134
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
فمنه ؛ أي من مقام هذه الأملاك . مرمز ؛ لا يدرك بالعقل ، كمقام القلم الأعلى واللوح المحفوظ . ومنه مفهوم ؛ كمقام الأركان الأربعة ، لأن فعل الطبائع في الوجود ، مفهوم عقلا ، ومشاهد حسّا . يخلّقون نفوسهم كما يشاؤون . يعني الأرواح الكلية ؛ كالهيولى ، فإنها تتكوّن حسب ما تقتضيه من الصور . كالطبيعة إذا تخلّقت نارا ، أو هواء ، أو ماء ، ترابا - على حسب المقتضى - فتتخلّق بصورته ؛ فهي الخالقة لنفسها ، بقدرة اللّه تعالى . وفي أيّ صورة شاؤوا ، يتحوّلون . يعني : أن الأرواح الكلية ، تتصور بأيّ صورة تقتضي قوابلها - من الصور الجزئية - فتتحوّل فيه ، كما تحوّل جبريل عليه السلام ، في صورة دحية الكلبي . هم الحدّادون . أي : الأرواح المهيّمة ، هم الجاعلون لهم حدودا ، حسب ما تقتضيه قوابلهم ، فلا يتعدّى شيء منهم حدّه . والحجّاب . أي : الملائكة المحكّمة ، هم حجّاب اللّه تعالى ، لأنهم الفعلة للأمور ، فلا ينظر الناظر ، إلا إليهم . وهم حجّاب ، يمنعون - أيضا - أبصار الناظر ، أن تقع على الحق تعالى ، وبهم ، حجب عن اللّه من حجب . ولهم ؛ أي للملائكة المهيّمة ، والمحكّمة . الظّهور : تارة حسّا ، وتارة عقلا ؛ صورة ، ومعنى . والحجاب : ولهم البطون ، لأن مقامهم يقتضي ذلك . ألا ترى إلى الهيولى ، كيف ظهرت بظهور الصور ؛ وهي - أعني الهيولى - باطنة على الحقيقة ، بعد هذا التعيين والظهور . إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ ص : 5 ] يعني : كونهم ظاهرين في بطونهم ، وباطنين في ظهورهم ؛ أمر يحصل منه التعجّب ، لحصول النقيضين بحال واحد يكثرون التكبير ، ويحفّون بالسرير . أي بالعرش - والمراد به هنا : جميع المظاهر الكونية - فإن هذه الملائكة المهيّمة والمحكّمة ، حافّون به . لهم المقام الأشمخ . أي المنصب الأعلى ؛ لأنهم مخلوقون بغير واسطة ، كالعقل الأول ؛ أو بواسطة قليلة ، كالأرواح الكلية . أو لكونهم أسبابا كلية ، لوجود الموجودات . ومنزلهم ؛ أي منزل الملائكة المهيّمة ، والملائكة المحكّمة : بين اللّه والعالم ، مثل البرزخ . جعلهم الشيخ - رضي اللّه عنه - أفضل من البشر الكمّل ، فقال إنهم متوسطون بين مرتبة الألوهية وبين مرتبة الإنسان الكامل . هذا مذهبه ! ولا أقول بذلك ؛ بل مرتبة الإنسان الكامل - عندي - فوق مرتبة الملائكة ، لأنهم له ، كالقوى للجسد ، وكالصفة للذات ، وكالعرض للجوهر .