عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
128
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
ولما كان عالم الخيال وعالم المثال متشابهين ، كأنهما من جنس واحد ، وكان البرزخ أيضا شبيها لها ؛ قال تنبيها على ذلك : البرزخ ما قابل الطرفين بذاته . أراد الشيخ رضي اللّه عنه ، أن يعلمك أن عالم الخيال برزخ ؛ لكونه قابل طرفي الجسم والروح الإنسانية ، بذاته . وأن عالم المثال - أيضا - برزخ ؛ لكونه قابل طرفي المعنى والصورة ، بذاته . وأن العالم الذي تصير إليه الأرواح بعد فراقها للأجسام - أيضا - برزخ ؛ لأنه قابل طرفي دار الدنيا ودار الآخرة ، بذاته . فكلّ من هؤلاء البرازخ ، بين أحكام طرفيه - لا بدّ له من ذلك ، إذ هو ناشىء منهما . فالخيال ، بين أحكام الجسم وبين أحكام الروح . والمثال ، بين أحكام الصورة والمعنى . والمحل الذي تقيم فيه الأرواح ، بين أحكام الدنيا والآخرة . وقد ذكرنا ذلك مفصلا - على ما هو عليه - صريحا ، في الجزء التاسع عشر من كتاب « الناموس الأعظم والقاموس الأقدم في معرفة قدر النبي صلى اللّه عليه وسلم » فمن أراد تحقيق الخيال ، والبرزخ ، والمثال ، وأرض الحقيقة - التي ذكرها الشيخ في الفتوحات - فلينظر في ذلك الجزء ، فإنما وضعت تلك الرسالة لتحقيق ذلك . فهذه العوالم الأربعة ، قريبة بعضها من بعض ؛ وكلّ منها برزخ ، لأنه قابل الطرفين بذاته . وأبدى لذي العينين من عجائب آياته ، ما يدلّ على قوته ، ويستدلّ به على كرمه وفتوّته . أراد بذي العينين ، كلّ من كان له نظر في عالم الأرواح ، ونظر في عالم الأجسام . احترازا ممن هو مقصود على عالم الأجسام ، فكأنه ليس له إلا عين واحدة . ولفظة « ما يدلّ » موصولة ، وهي مفعول « أبدى » ؛ وتقديره : إن البرزخ ، ما قابل الطرفين بذاته ، وأبدى أمورا تدلّ على قوته ، كلّ من كان له عينان يبصر بهما في العالمين . والدليل على أن هذه البرازخ المذكورة - من الخيال ، والمثال ، وأرض السّمسمة ، والبرزخ - لها قوة ، أنها شعبة من القدرة ، وأمورها منوطة بالقدرة المحضة . وليست كأمور الدنيا ، موقوفة على الحكمة والأسباب ، لأن الأشياء تتكوّن فيها بالإرادة ؛ فهي قدرة محضة . وإذا صحّ أن لها هذه القوة والقدرة ، صحّ أن لها كرما وفتوة . فهو القلّب الحوّل أي : البرزخ متقلّب في الصور ، متحوّل في الهيئات ؛ لسرّ مقتضيات طرفيه ، واختلاف أمورهما . ولهذا ، لا تدوم الصور المرئية فيه للناظر ، بل تمرّ عليه ، وتذهب عنه ، ولو كانت باقية ، من حيث هي هي .