عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

129

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

فلتقلّب أحوال البرزخ على أهله ؛ قال : والذي في كلّ صورة يتحوّل . تقديره : وهو - أي البرزخ - في كل صورة من صورة طرفيه ، يتحوّل . عوّلت عليه . أي على البرزخ ؛ الأكابر . يعني : أهل اللّه ؛ لرجوعهم آخر الأمر إليه ، فكان تعويلهم - لذلك - عليه حين جهلته . أي البرزخ ؛ الأصاغر . وأراد بالأصاغر ، المحجوبين ؛ وبالأكابر ، أهل الكشف . فله . أي للبرزخ ؛ المعنى في الحكم ، والقدم الراسخة في الكيف والكمّ . إنما كان للبرزخ هذا المعنى ، لتعلّقه بطرفه الروحاني ؛ والكيف والكمّ ، لتعلّقه بطرفه الثاني ، وهو الطرف الصوري الجسماني . ولهذا ، كلّ برزخ : سريع الاستحالة ؛ لكون صوره قليلة الدوام ؛ عند الرائي ، لا من حيث هي هي . يعرف العارفون حاله ، بيده مقاليد الأمور ؛ لكونه قدرة محضة ، تتكون الأشياء فيه بالإرادة . وإليه مسانيد الغرور ؛ من أجل تحوّل صوره ، فمن ركن إلى شيء منها ، اغترّ به . له . أي للبرزخ ؛ النّسب الإلهيّ الشريف . أراد بالنسب هنا ، تكوين الأشياء بالقدرة ، ألا تراك تكون ما أردته في خيالك ، على حسب ما شئت ؟ وإن كنت متمكّنا ؛ كان لك ذلك في عالم المثال ، وفي العالم الذي تصير الأرواح إليه بعد الانتقال من دار الفناء والزوال . ولقد جرت لي واقعة عجيبة في هذا المعنى : رأيت مرّة في المنام ، وأنا بصنعاء اليمن بتاريخ سنة خمس وثمان مائة ، امرأة كانت قد ربّتني وأحسنت إليّ في صغرى ، وكانت قد ماتت ؛ فرأيتها مسودّة الوجه ، لما تلقاه من العذاب ، لنظرها إلى النار . فألبست النّار لها ، صورة الجنة . وقلت : انظري إلى الجنة . فنظرت إليها ، فزال عنها السواد الذي في وجهها ، وتهلّل وجهها ، حتى صارت كالقمر في الحسن والبهاء . وكثيرا ما أرى في النوم أمورا ، أعرف فيه أن تعبيرها في اليقظة غير ملائم لطبع ، فلا أقربها . وبعض الأحيان ، أقلبها إلى غير تلك الصورة المخالفة للطبع ، فأراها كما أريد ! ولا يستطيع ذلك ، إلا من قدر على تصريف الأمور في المعنى ، وصار خرق العادة له عادة في العالم الروحاني ، لا يعرف ذلك ، إلا من مارسه من العارفين . فللبرزخ : تلك الصفة الإلهية القادرية . والمنصب الكياني المنيف . أي ، وللبرزخ : المنصب الكياني العالي ؛ وهو التعيّن بالصورة المحسوسة ، المحدودة ، الخلقية ، فهو خلق ، له وصف الحقّ .