عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

127

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

هيكله صغير ؛ وكان عمر العالم الدنياوي طويلا ، لكبر هيكله . . ولا بد له من الانعدام والفناء ، كما أنه لا بد للإنسان من ذلك . فافهم ! ولما كان العالم الأخراوي ، نسخة من باطن الإنسان وروحه - إذ كلّ منهما نسخة للآخر - فكانت الآخرة ، كالروح الإنسانية ؛ باقية بإبقاء اللّه تعالى . فلا يتوهّم أن الجنة والنار تفنيان بحال ، وما ورد من أن النار تفنى ، وينبت محلها شجر الجرجير ، إنما ذلك من حيث أقوات مخصوصة . ففناؤها وزوالها ، فناء مقيّد ، لا فناء مطلق . لأن الآخرة ، محل مشهود الأعيان الثابتة - التي هي معلومات العلم - لأن اللّه تعالى يظهرها يومئذ ، فيرى منها كل أحد ، على حسب حاله ومقامه عند اللّه . ولا شك أن النار معلوم العلم الإلهي ، فلا سبيل إلى زوال المعلوم عن العلم . وقد كشفت بذلك ، عن أسرار شريفة ، لم يسمح بها أحد من المحقّقين ؛ غيرة على تفاصيل المعرفة باللّه . وفي هذه النبذة ، زبدة جميع ما أفرده الشيخ في الباب السابع من الفتوحات المكية . فافهم ، أرشدك اللّه للصواب . * * * الباب الثامن وصار خرق العادة ، له عادة قال الشيخ رضي اللّه عنه : ومن ذلك . أي ، ومن بعض ما تضمّنه هذا الباب من فنون العلوم ، المشار إليها في صدر الكتاب . سرّ ظهور الأجساد بالطريق المعتاد . اعلم ، رضي اللّه عنا وعنك ، أن الصوفية فرّقوا بين الجسم والجسد ؛ فقالوا : إن الجسم هو كل صورة مرثية قابلة للأبعاد الثلاثة ، حالة كونها كثيفة الأصل طبعا . وقالوا : إن الجسد عبارة عن كل صورة - يتشكّل بها روح - من الصور الجسمانية . وإذ قد عرفت ذلك ، فاعلم أن قول الشيخ - رضي اللّه عنه - « سرّ ظهور الأجساد بالطريق المعتاد » هو ليعلم أن المراد بذلك ، عبارة عن تصويرات الروح في الأشكال الحسية ، المشهودة ، الصورية . وإنما قال الشيخ « بالطريق المعتاد » ليعلم أن المراد بذلك ، تصورات الأرواح الجزئية ؛ كما يجيء للأشخاص - في حال تفكّرهم - من تصوّر روحه الجزئية ، بالصورة الخيالية المشهودة له عينا ؛ أو كما يجري للنائم من تصوّر روحه ، بالصورة المرئية في النوم ، المشهودة له حسّا وشهادة .