عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

124

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

للروح ، ومحل زيادة الظهور للحق . ومعيّن الحركات والسكنات . لما فيه من قوة الكثافة ، وتكاثف القوة التي بواسطتها تحصل للأرواح الحركات والسكنات الجزئية المضافة إلى الأجسام . وبه . أي بوجود الجسم . عرفت المقادير والأوزان . لأن الجسم محل ذلك ، وموضعه ، ومجلاه ، ومظهره . وبه سمي الثقلان . لثقل الجسد ورسوبه ، له - أي للجسد - من الأسماء المتين ، بالتاء المثناة من فوق ، لما فيه من القوة والمتانة . وهو الذي أبان النور المبين . أي : الجسم هو المظهر للروح ، التي هي النور المظهر للأشياء كلها . فلولا الجسم ، لما حصل للروح ما حصل من الكمال ، ولا استطاعت أن تظهر بشيء من ذلك في العالم . حكم . أي الجسم . في النور بالقسمة . النور هو الوجود ، لأنه إنما وقع الظهور به ؛ فلولا الوجود ، لما ظهر الموجود ، ولا عرف العبد ولا المعبود . وما ظهرت القسمة في الوجود ، إلا بسبب الأجسام ، لكون الأبعاد الثلاثة لازمة لها ، لكونها مركبة كثيفة ؛ ولأجل ذلك : ظهرت بوجوده الظلالات والظلمة . لأن الكثافة الجسمانية لا تخرقها الأنوار طبعا ؛ ولأجل ذلك ، ظهر بوجود الجسم ، الظّلّ . وكذلك الظلمة ، إنما ظهرت بواسطته ، لأن الليل هو عبارة عن استتار الشمس بالأرض عن أهل الأرض ؛ وكذلك الخسوف ، عبارة عن حيلولة الأرض بين الشمس وبين جرم القمر . فلولا توسّط الأرض ، لما ظهرت هذه الظلمة الموجودة . فالظلمة من طبع الأجسام . وكذلك ، من غلب عليه العمل بمقتضى الأمور الجسمانية ، يكون في ظلمة من ذلك البرزخ ، حتى يؤول أمره إلى النار . فالجسم أصل في كمال النور ، وأصل في الظلمة . ومنه ، أي من الجسم . تتفجّر ينابيع الحكم . لوجود الحواس الخمس فيه ؛ فلكل حاسة من الحواس ، حكمة مخصوصة ليست لغيرها ؛ فلا تنال الروح هذه الحكم ، إلا بواسطة الجسم . فالعين ينبوع الحكم التي لا تحصل إلا بالمعاينة ، كالألوان ، والحسن المشهود ، والطراوة ، والهيئات ، والأوضاع . فكلّ من خلق أعمى ، لا عين له ، ليس يعرف شيئا من هذه الحكم المستفادة بواسطة البصر ، لا في الدنيا ، ولا في البرزخ ، ولا في الآخرة . بل فاتته هذه الحكم على الإطلاق ، فلا يشعر بها ، ولا سبيل له إلى معرفتها . والأذن ينبوع الحكم التي لا تحصل إلا بالاستماع ، كعلوم القرون الماضية ، وعلوم الأخبار ، والأحاديث المروية عن الرسل ، وعن اللّه بواسطتهم . بل ولا يعرف الرسالة ولا الرسل ، كلّ من خلق أصمّ .