عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
125
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
ولهذا ، يكون كلّ أصم ، خلق أبكم . لأنه لا يسمع من أحد ، شيئا من الكلام . فلا يشعر بأوضاع الكلمات ، ولا يعرف لذة الأنغام ، ولا يحسّ بخشونة الأصوات الكريهة . . وقس على ذلك ، الشّمّ ، والذّوق ، واللمس ؛ في معرفة الروائح ، والأطعمة ، والنعومة والخشونة . فكلّ حاسة من الحواس الخمس ، ينبوع حكم كثيرة مخصوصة بها ، لا تصحّ للروح معرفتها ، إلا بواسطة تلك الحاسة ، ولهذا ، احتاجت الروح في نيل الكمالات ، إلى الامتزاج بالجسم ؛ فالجسم محل ظهور هذه الكمالات . وتبرز ، يعني : من الجسم . جوامع الكلم ، بواسطة اللسان . يحوي على رموز النصائح وكنوز المصالح . أراد برموز النصائح : الاعتبار الحاصل للروح ، بواسطة حواس الجسم . وأراد بكنوز المصالح : الأعمال الصالحة من الأفعال ، والأقوال ، والعلوم ، والمعارف الإلهية ؛ الحاصلة للروح بواسطة الجسم . لأنها تزداد شرفا عند اللّه بذلك ، فهي كنوز المصالح لها . الشّهادة سخافته ، والغيب كثافته . أراد بالشهادة هنا ، عالم الملك ؛ وبالغيب ، عالم الملكوت . والمراد : أن ظهور عالم الشهادة ، بواسطة رقة سطح الأجسام ، لأنها هي المشهودة من عالم الملك ؛ وبطون عالم الغيب ، بواسطة الكثافة الجسمانية ، لأنها هي المانعة عن ذلك . ألا تراك إذا رأيت جسما من الأجسام ، فإن رقة مسطحة - وهو ظاهره الذي عبّر عنه الشيخ بسخافته - مشهود ، ذو الغيب والشهادة . تستّر - أي الجسم بالجسم . للغيرة الإلهية على ذاته تعالى ، إذ هو عين الجسم ! وسبب هذه الغيرة : حتى لا يرى راء غيره . فلا يبصر مبصر غير ظاهر الجسم ، صيانة من الحقّ تعالى - إذ هو عين الجسم - لباطن الجسم ؛ إذ هو من أشرف مظاهر الوجود ، لأنه المفصّل لجمليات مراتب الوجود ، حيث أنه : يتقلّب . أي الجسم . في جميع الأحوال ، كاللطافة والكثافة ، والصغر والكبر ، والطول والعرض ، والعمق والسمك ، والبعد والقرب ، والتوسّط ، والحسن والقبح ، والفناء والبقاء ؛ إلى غير ذلك من الأحوال اللازمة للجسم ، والعارضة له . فلولا شرفه ، لما كانت له الأحوال كلها . فهو يدخل في كل طور من أطوار النقص والكمال ، ويقبل بذاته التصرّف في جميع الأعمال . يعني : أن للجسم - من حيث هو - قابلية لكل عمل من الأعمال المتنوعة ؛ مما يستحيل عادة ، كقتل العصفور بازا ؛ أو يستحيل عقلا ، كحمل النملة جملا . فإن في قابليتها ، القبول لذلك . فلو حصل الاستعداد ، ووافق القدر ، أمكنها فعل ذلك المستحيل . . وإنما حصل هذا السرّ - الذي أودعه في الجسم - من قدرته .