عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
121
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
الباب السابع الجسم هو المظهر للرّوح ، الّتي هي النّور المظهر للأشياء كلّها قال الشيخ رضي اللّه عنه : ومن ذلك . أي ، ومن بعض ما تضمّنه هذا الباب من أنواع العلوم : سرّ الكيف والكم ، وما لهما من الحكم . لما كان السؤال بكيف وكم ، من لوازم العالم المحسوس ، الذي هو منصّة الأجسام ، ومظهر الكثافة والأجرام . عبّر بهما عن الجسم الكلّي ولوازمه ، والنفس الكلية وعوالمها . فسرّ ظهور العالم الجسماني ، هو لتحقّق الإنسان بالشأن الرحماني ، حتى يظهر بالفعل في صورة جزئية مخصوصة كاملة النشأة ، ما هو ثابت بالقوة في حقيقة الوجود الكلّي الجامع ؛ لتكون تلك الصورة للوجود الكلّي ، كالروح للهيكل الحيواني ، وكالمعنى للفظ ، وكالملك للمملكة . . فلهذه الحكمة ؛ أول ما خلق اللّه من عالم الأجسام ، العرش . وجعله محيطا بالمحيطات كلها ، كما يحيط الجسم الإنساني بجميع ما حواه هيكله المخصوص . واستوى سبحانه على العرش ، استواء مخصوصا ، هو عليه من غير تغيير لشأنه الذي كان له قبل خلق العرش وما حواه . وذلك الاستواء - في ضرب المثل - كاستواء الروح على الجسم ؛ فالجسم الجزئيّ عرش جزئيّ للروح الجزئية ، والجسم الكليّ عرش كليّ للروح الكلية ، المعبّر عنها بالحقيقة المحمدية من حيث تعيّنها ، وبالحقيقة الإلهية من حيث عينها . ولا شك أن الكليّ صادق على الجزئي . فاعرف بما ذكرته لك ، من أنت ؟ وما محلّك ؟ تعلم حينئذ أن جسمك ، بل الجسم الكليّ : هو البيت المعمور بالقوى . القوى ، عبارة عن الملائكة الموكّلة بتدبير العالم الكبير ، كما أن القوى الحيوانية موكّلة بتدبير جسمك ؛ الذي هو العالم الصغير بالنسبة إلى الجرم ، لقوله تعالى : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ غافر : 57 ] الآية ، وأما بالنسبة إلى القدرة ؛ فإنك أنت العالم الأكبر ، والسماوات والأرض بما فيها ، هو العالم الأصغر ، لقوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [ الجاثية : 13 ] فالسماوات بما أظلّت ، والأرض بما أقلّت ، مسخّرة لك . لكونك أعزّ قدرا ، وأعظم فخرا ؛ ولهذا تفنى السماوات والأرض يوم القيامة ، وأنت باق إلى أبد الآبدين . فجسمك الذي هو البيت المعمور ، بقواك التي هي ملائكة تسخيرك ؛ هو العرش الكريم . . إذ لا موجود أكرم على اللّه منك .