عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

122

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

والجسم الكليّ هو العرش المحيط ، لأنه جامع للموجودات الجسمانية ، وليس وراءه إلا عالم الجبروت . وسيأتي الكلام على العرش العظيم والعرش المجيد ، في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه . إعلم أن الشيخ رضي اللّه عنه ، أراد أن يبين لك في هذه النبذة ، سرّ خلق العالم . فبدأ بذكر العرش ، لأنه أول متعيّن في الصورة ، وإليه الإشارة بقوله : والذي كان عليه الاستواء . إشارة إلى قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) [ طه : 5 ] وقد كان الشيخ رضي اللّه عنه فيما مضى - وبيّنّاه لك - أن الروح المعبّر عنها بالحقيقة المحمدية ، وبالعقل الأول ، وبالقلم الأعلى ؛ هي أول مخلوق . وهي - أعني هذه الروح - كلية وأرواحنا جزئياتها . فلهذا المعنى ، أشرقت تلك المعاني الكمالية الموجودة في الحقيقة المحمدية ، في ذواتنا . وإلى هذا المعنى ، أشار بقوله تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] وقوله تعالى : قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ [ الممتحنة : 4 ] وإلى هذا الإشراق في الأجسام أشار الشيخ رضي اللّه عنه بقوله : محل الظهور المشرق بالنور . يعني : أن العالم الجسماني محل كمال الظهور الإلهي ؛ لأن الجسم الإنساني ، آخر ظاهر من مراتب الوجود . ولهذا ؛ كان الإنسان البشري ، نوع الأنواع على الإطلاق ؛ وكان الإنسان الحقيقي ، جنس الأجناس . لأنه أول كل موجود ، فحاز رتبة الإحاطة ؛ فهو : الأول والآخر . وكان الإنسان مشرقا بأنوار الكمالات ، معنى وصورة . فإشراقه المعنوي ، هو حقائق قواه المعبّر عنها بالعقل ، والخيال ، والهمّة ، والمصوّرة ، والإرادة . . وأمثال ذلك . فهذه القوى منه ، هي عين الملائكة المدبّرة للعالم الكبير ؛ فالعقل من مظاهر جبريل ، والخيال من مظاهر إسرافيل ، والمصوّرة من مظاهر عزرائيل ، والإرادة من مظاهر ميكائيل . . وقس على ذلك ، باقي قواه المعنوية . وأما إشراقه الصوري ؛ فالعينان لعالم جسمه ، كالشمس والقمر للعالم الكبير . واللمس والشمّ والذوق والأذنان ، كالخمس الكواكب الأخرى من العالم الكبير . . فأشرق كلا العالمين الجسمانيين بالنور . وعلى الحقيقة ؛ العالم الجسماني هو واحد ، لأنه عبارة عن العرش وما حواه ، فهو محل الظهور الإلهي ، وهو « المشرق بالنور » أراد بالنور ، عبارة عن حقائق الكمال