عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

120

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

المعبّر عنه بمسمى الأسماء الحسنى والصفات العلى ! جرى بنا جواد البنان في هذا البيان ، حتى أظهر ما لم يخطر إظهاره في الجنان ، من كل علم لا يسعه الكيان ؛ فلنقبض العنان ، ولنرجع إلى ما كنا بصدده من شرح هذه الكلمات الحسان . قال الشيخ رضي اللّه عنه : أشرقت أرض الأجسام بالنفوس ، كما أشرقت الأرض بأنوار النفوس . لما أظهر الشيخ رضي اللّه عنه - فيما سبق - أن الإنسان نسخة للحق ، أراد أن يظهر كونه نسخة للخلق ؛ فشبّه روحه بالشمس التي هي روح العالم الدنياوي ، وشبّه الإشراق بالإشراق ، لأن النفس الجزئية متصرّفة في الهيكل الإنساني ، ومدبّرة له ؛ كما تتصرّف الشمس في العالم الدنياوي ، وتدبّره على مرّ الدهور . وكلّ من النفوس والشموس ، عين كلّ على الحقيقة ؛ إذ هذه الصورة كلها ، راجعة للوجه الواحد الظاهر في مرائي مختلفة الأشكال والمقادير . فلهذا ، قال الشيخ رضي اللّه عنه : وإنما لم تفرد العين ، لأنها ما أشرقت ، إلا بما حصل فيها من نور الكون ، وإن كان الأصل ، ذلك الواحد ؛ فليس ما صدر عنه بأمر زائد ، فعدّدته الأماكن ، لما أنزل نفسه فيها منزلة الساكن . زبدة هذا الكلامه ، وخلاصة هذه المسألة : أن اللّه تعالى ، هو المتجلّي بأعيان الموجودات على حسب ما تقضيه قابلية كل هيئة لكل موجود ، كما أن الصورة تظهر في كل مرآة بحسب تلك المرآة ؛ فاختلفت الصور المرئية لاختلاف المرائي ، وحقيقة الصورة واحدة كما أن الحق تعالى واحد متعدّد بحسب تعدّد الموجودات ؛ وبالحقيقة ، لا تعدّد ، لأن الشيء الواحد إذا تعدّد باعتبارات كثيرة راجعة إليه ، هو واحد غير متعدّد في نفسه . وهذه الاعتبارات هي الأسماء والصفات ، التي هي أعيان الممكنات ، وإلى ذلك ، أشار بقوله : فللحقيقة رقائق ، يعبّر عنها بالخلائق . أطلق هنا لفظ « الحقيقة » والمراد بها : الحقيقة الإلهية . لها « رقائق » أي معاني كمالية ، هي أعيان الأسماء والصفات المظهرة لحقائقها في ذوات الموجودات ، على سائر النعوت والنسب والإضافات والاعتبارات ؛ فهي هوية شيء واحد ، من كل الوجوه بالذات ، وقد شرحنا في هذه النبذة ، جميع ما تضمّنه الباب السادس من كتاب الفتوحات المكية ؛ فتأمّل ذلك ، أرشدك اللّه للصواب ، وعلّمك الحكمة وفصل الخطاب . * * *