عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
110
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
وأما قوله « بدا له منه الخلاف » فهو إشارة إلى ما يقع للنفس من النزول والركون إلى المقتضيات الأرضية التي لأجلها يكون العتاب ، وإليه الإشارة بقوله « فعاتبه » ، ثم قال : وتوجّهت منه إليه حقوقه * فدعاه للقاضي العليم وطالبه يعني : واقتضى الحال أن يتوجّه على النفس حقوق كثيرة لموجدها ، إذ للصانع حقّ على مصنوعه لا ينكره العقل طبعا ، والقاضي هو العقل ، فعبّر عن إرجاع الحقّ للنفس إلى العقل - لتعرفه النفس - بقوله « فدعاه للقاضي العليم » فطالبه ، بأداء حقّ الصانع عليه . ونعت القاضي - المعبّر به عن العقل - أنه عليم ، لأن العقل من طبعه درك الأمور كلها ، لما أودع اللّه فيه من مكنون علمه ، كما سبق بيانه . فعندما رجعت النفس إلى مقتضى العقل ، عرفت بحكم العقل ، أن نزولها إلى مقتضى حكم الجسم وبال عليها ، فعبّر عن هذا المعنى بقوله : نادى عليه . يعني : نادى العقل على النفس . تجرّسا . التجريس ، التعزيز على سبيل الإهانة تهكّما إذ العقل يقضي أن يكون : هذا جزاء من عامل الجنس البعيد وصاحبه . الإشارة بقوله « هذا » إلى النزول والانحصار والتقييد والعجز والاحتباس بحكم سجن الطبع ، فذلك جزاء كل نفس اشتغلت بالظاهر عن حكم الباطن ؛ لأنها تألفه وتنسى ذلك المعنى طبعا . فما أنزلها عن التحقّق بحقائق الكمال ، إلا فعلها ، فإذن نزولها جزاء ما صنعت . وعن الجسم ومقتضياته ، عبّر بالجنس البعيد . فنزول النفس إلى العجز ، لأمرين : أحدهما ، العمل بمقتضى الجسم ؛ والثاني ، مصاحبة الجسم . فالأول عارض ، والثاني لازم . فينبغي أن يسعى المرء أولا في زوال حكم العارض ، حتى إذا انفكّ عن الجسم ، حصل له اللازم أيضا ، فيخلص إلى الكمال المطلق من كل وجه . وعن الرجوع عن المقتضيات البشرية عبّر بقوله : ليتوب من سمع النّداء فيرعوي * عنه ويعلم أنّه إن جانبه تظفر يداه بكلّ خير شامل * فاستعمل الإرسال فيه وكاتبه اللام في « ليتوب » للتعليل ، يعني : إنما نادى العقل مجرّسا للنفس ، لتحصل منها التوبة ، وهي الرجوع عن حكم الجسم ومقتضاه ، إلى الحقّ ؛ فتلزم مشاهدته منها فيها - ولتعلم النفس ، بما أوضحه العقل ، أنها إن جانبت الجسم - المعبّر عنه بالجنس البعيد - فتركت العمل بمقتضاه ، وخالفت أحكامه ؛ ظفرت يداها بالصفات الإلهية ، التي هي في قوة النفس وقابليتها ، فتستعمل الاسترسال في ذلك بشهودها لحقائقها