عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

109

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

حيث يقول اللّه تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] لأنه سبحانه عين النفس ، فجهلت النفس حقيقتها من أجل ذلك القرب ، ومن أجل ما تشهده الحواس من كثائف الحجب . وظاهر الأمر : فصارت النفس بواسطة هذين الأمرين ، جاهلة باللّه طبعا . وهي ، يعني النفس . الصّمّاء عن إدراك الوسواس . أراد بالوسواس ، الخواطر الإلهية التي ترد على النفوس بالفطرة . وإنما صمّت آذان النفوس عن إدراك هذه الخواطر ، لأن المادة حاكمة على النفس بالعقل والمقتضيات البشرية ، فامتنعت عن سماع ما يرد من الحق لأجل ذلك . وهي الخرساء فلا تفصح . يعني : أن النفس صارت خرساء بالطبع الحيواني ، فلا تفصح عن سرّ من الأسرار الإلهية المودعة فيها ، لكونها بشرية بحكم الطبع في قيد الجسم وحصره . وهي . يعني النفس ؛ العجماء . إنما اعتجمت النفس بفراقها ما في قابليتها من الكمالات ؛ وإنما فارقته لعدم اشتغالها به ، بسبب ما أخذها عنه من الأمور الحسّيّة . فلا تعقل النفس ما هي حاوية له من الكمالات الإلهية فتوضّح وتخبر عنه . ولولا اشتغالها عن المعنى بالحسّ ، لظهر بالفعل ما هو باطن فيها بالقوة من أوصاف الكمال ونعوت الجلال والجمال . وإلى ذلك أشار بهذه الأبيات : سرى اللّطيف من اللّطيف فناسبه * وبدا له منه الخلاف فعاتبه اللطيف الأول هو النفس ، واللطيف الثاني هو ذات واجب الوجود . يعني : أن النفس على الحقيقة ، مخلوقة من نور ذات الواجب بذاته ؛ ولهذا وجدت فيها من الكمالات ، جميع ما وصفت الحقّ به - وقد بيّنا كيفية مضاهاتها للحق والخلق على التفصيل ، في كتابنا الموسوم « بإنسان عين الوجود ، ووجود عين الإنسان الموجود » فمن شاء أن يعلم ذلك ، فليطالع فيه - وحوت من النقائص جميع ما في الوجود ؛ فجمعت من كلا وصفي الحقّ والخلق ، ما استوعب الأمر على ما هو عليه . ولهذا قال « فناسبه » لأن الحقّ تعالى جامع لذلك ، فحصلت المناسبة بين النفس - التي هي روح العالم الإنساني - وبين الحقّ ، الذي هو روح العالم .