عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

106

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

الوجوه ، لقولنا إن الوجود شيء واحد في كل موجود ، فلا تعدّد للوجود ، وإذن فلا تعدّد للموجودات . لأن الوجود على الحقيقة ، هو عين الموجودات ؛ فظهرت الواحدية ، وبظهورها بطنت الكثرة ، فزال الظل والفيء المعبّر به عما سوى اللّه . والسوى موجود ، والظلّ ممدود . فعليك بالفحص والبحث ، لتجمع في الحقيقة بين القول بأن الأمر لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشّورى : 11 ] وبين أنه وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشّورى : 11 ] وحينئذ تجمع بين التنزيه والتشبيه . فعليك بالكشف عن هذه النكتة ، لتجدها إن شاء اللّه تعالى ، وقد شرحنا لك في هذه النبذة ، جميع ما في الباب الثالث من كتاب الفتوحات ؛ واللّه الموفق ، لا ربّ غيره . * * * الباب الرابع ما هذه المظاهر المشهودة ، إلّا عين الظّاهر فيها ؛ وهو اللّه قال الشيخ رضي اللّه عنه : ومن ذلك . أي ، ومن بعض ما تضمّنه هذا الباب . سرّ البدء اللطيف ، وما جاء فيه من التعريف . يريد : سرّ بداء العالم . واللطيف صفة سرّ البداء ، والضمير راجع إلى السّرّ . وسوف أنبّهك على مقدمة ، تعرف بها معنى كل ما يرد في هذه النبذة التي جمعت جميع ما في الباب الرابع من كتاب الفتوحات المكية . وذلك : أن اللّه تعالى لما أحبّ في شأن ذاته البطوني ، أن يظهر في كنزيته ، لما يقتضيه شأن ذاته الظهوري من الظهور على حكم شؤونه الذاتية . فتشكّل وتصوّر بأشكال العالم وصوره ونسبه وإضافاته وأحكامه جميعا ؛ صورة ومعنى ، بطونا وظهورا ، فناء وبقاء ، عينا وحكما ، وجودا وشهودا . فمثله تعالى في هذا المعنى - وللّه المثلى الأعلى - كمثل النفس الناطقة في هيكل الإنسان ، إذا حدّثت نفسها بنفسها ، فتكون هي المتكلّمة والسامعة ، وهي عين كلامها ؛ لأنها تتصور لنفسها بصورة مفهوم ما تكلّمت به . فهي الكلام والمتكلّم والسامع ، وكذلك الحق تعالى ، عين العالم المسمّى بالخلق ، وعين الخالق له المسمّى بالحق . يبدءان لأسمائه وصفاته ، ترتيبا تقتضيه كل صفة ، لما هي عليه في شأنها . فلكل اسم مرتبة في ظهور العالم ، فهو ناظر إلى العالم ، من حيث تلك المرتبة والمقتضى ، لإيجاد الكون من جهة تلك الصفة . فنقول - مثلا - إن الصفة العلمية أول متوجهة لإيجاد العالم ، وإن الصفة الإرادية أول متوجهة لتخصيص كل