عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

107

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

شيء على ما هو عليه من الهيئة والترتيب ، وإن الصفة القادرية أول متوجهة لظهور العالم في الحسّ . لكن توجّه كل صفة من هذه الثلاثة المذكورة ، على ترتيب ذكرها ؛ فالعلم له التقدّم ، ثم الإرادة ، ثم القدرة ، وعلى ذلك فقس واحكم ، إلى أن تستوفي جميع الأسماء والصفات ؛ فإن أحكامها المتعلّقة أعيان وجودية ، يسمعها الكاشف ويراها . فاعتبر ذلك حتى تستوفي مقتضياتها ، إلى أن يتمّ الأمر بظهور كل المراتب الكونية ، علوّا وسفلا ، لطيفا وكثيفا . * * * فتنبّه لهذه المقدمة ، تفهم جميع ما أراده الشيخ - رضي اللّه عنه - بقوله : إن العالم علامة . يعني : أنه علامة على موجده تعالى ، يعرف هو - سبحانه - بالعالم - وتحقيقه ؛ أن كلّ وجه من وجوه العالم ، راجع إلى صفة من الصفات الإلهية . وتقدير ذلك : إن العالم من حيث كونه موجودا ، أثر صفة اسمه الموجد ؛ ومن حيث كونه على هيئة مخصوصة ، أثر اسمه المريد ؛ ومن حيث كونه بارزا - من غير مادة ، ولا تعيّن - أثر اسمه القادر ؛ ومن حيث كونه مخلوقا ، أثر اسمه الخالق ؛ ومن حيث كونه مرزوقا ، أثر اسمه الرازق ؛ ومن حيث كونه مرئيا ، أثر اسمه البصير ؛ ومن حيث كونه مسموعا ، أثر اسمه السميع ، وقس على ذلك ؛ فهذه الأسماء هي المظهرة لأعيان هذه الآثار ، وإن شئت قلت : هذه الآثار هي التي أظهرت هذه الأسماء . وعلى الحقيقة ، هو واحد في واحد لواحد . فلهذا قال : بدؤه ممّن فهو علامة على من . يعني : إذا كان الحق عين العالم ، فمن أين بدأ العالم ؟ بل هو في نفسه ، كما كان عليه . فإذن : ليس هو علامة على شيء ، لأنه ما ثمّ غيره . فلا يقال إن الشيء الواحد ، يكون علامة على نفسه لنفسه . إذ لا مغايرة في نفسه لنفسه ، فلا بدأ ، ولا ظهر ، ولا بطن ، ولا استتر ؛ إذ الحقّ هو الكل . وإلى هذا المعنى ، أشار بقوله : ما استتر عين حتى يظهر كون . يعني : ما استترت ذاته ، ليظهر غيره . ولما تحقّق الشيخ - رضي اللّه عنه - بشهود واحدية الحق تعالى في كثرة الموجودات ، وعاين كثرة تنوعات تجلياته في الأسماء والصفات ؛ قال : رأينا رسوما ظاهرة . أراد بالرسوم ، الأسماء والصفات التي هي الظاهرة في العالم بحقائقها وآثارها . ورأينا ربوعا . يعني بذلك ، المظاهر الكونية . دائرة ، فانية لظهور الحق تعالى . وقد كانت تلك المظاهر الكونية ، التي يعبّر عنها بالسوى والعالم . قبل ذلك .