عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
91
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
بخلاف السماع الثاني الذي يعلم الرحمن به عباده القرآن ، فإذن الصفة السمعية تكون هناك للعبد حقيقة ذاتية غير مستعارة ولا مستفادة ، فإذا صح للعبد هذا التجلي السمعي نصب له عرش الرحمانية ، فيتجلى ربه مستويا على عرشه ، ولولا سماعه أولا بالشأن لما اقتضته الأسماء والأوصاف من ذات الديان ، ولما أمكنه أن يتأدّب بآداب القرآن في حضرة الرحمن وهذا كلام لا يفهمه إلا الأدباء الأمناء الغرباء ، وهم الأفراد المحققون بسماعهم هذا الكلام الثاني ، ليس انتهاء لأن اللّه تعالى لا نهاية لكلماته ، وهي في حقهم تنوّعات تجليات فلا تزال تخاطبهم الذات بلغة الأسماء والصفات ، ولا يزالون يجيبون تلك المكالمات بحقيقة الذوات إجابة الموصوف للصفات ، وليست هذه الأسماء والصفات مخصوصة بما في أيدينا مما نعرفه من أوصاف الحق وأسمائه ، بل ثم للّه من بعد ذلك أسماء وأوصاف مستأثرة في علم الحقّ لمن هو عنده ، فتلك الأسماء المستأثرة هي الشؤون التي يكون الحق بها مع عبده ، وهي الأحوال التي يكون العبد بها مع ربه ؛ فالأحوال نسبتها إلى العبد مخلوقة ، والشؤون نسبتها إلى اللّه تعالى قديمة ، وما تعطيه تلك الشؤون من الأسماء والأوصاف هي المستأثرة في غيب الحق ، فافهم هذه النكتة من نوادر الوقت ، وإلى قراءة هذا الكلام الثاني الإشارة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ « 1 » فإن هذه القراءة قراءة أهل الخصوص وهم أهل القرآن ، أعني الذاتيين المحمديين الذين هم أهل اللّه وخاصته . أما قراءة الكلام الإلهي وسماعه من ذات اللّه يسمع اللّه تعالى ، فإنها قراءة الفرقان ، وهي قراءة أهل الاصطفاء وهم النفسيون الموسويون قال اللّه تعالى لنبيه موسى : وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي « 2 » فمن هنا كانت تلك الطائفة الموسوية نفسيين ، بخلاف الطائفة الأولى الذاتيين ، قال اللّه تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ « 3 » فالسبع المثاني : هي السبع الصفات كما بيناه في كتابنا المسمى ب [ الكهف والرقيم في شرح بسم اللّه الرحمن الرحيم ] والقرآن العظيم : هو الذات ، وإلى هذا المعنى أشار صلّى اللّه عليه وسلم بقوله : « أهل القرآن أهل اللّه وخاصته » « 4 » فأهل
--> ( 1 ) آية ( 1 : 5 ) سورة العلق . ( 2 ) آية ( 41 ) سورة طه . ( 3 ) آية ( 87 ) سورة الحجر . ( 4 ) سبق تخريجه .