عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

92

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

القرآن ذاتيون وأهل الفرقان نفسيون ، وبينهما من الفرق ما بين مقام الحبيب وبين مقام الكليم ، واللّه يقول الحق وهو بكل شيء عليم . الباب الثاني والعشرون : في البصر وفيه قال : بصر الإله محلّ ما هو عالم * ويرى سواء نفسه والعالم فجميع معلوم له عين له * وعيانه لجميع ذلك دائم فالعلم عين باعتبار بروزه * عند الشهود وذاك أمر لازم فيشاهد المعلوم منه لذاته * وشهوده هو علمه المتعاظم وهما له وصفان هذا غير ذا * إذ ما البصير بواحد والعالم اعلم وفقنا اللّه وإياك أن بصر الحق سبحانه وتعالى عبارة عن ذاته باعتبار شهوده للمعلومات ، فعلمه سبحانه وتعالى عبارة عن ذاته باعتبار مبدأ علمه ، لأنه بذاته يعلم ، وبذاته يبصر ، ولا تعدد في ذاته ، فمحلّ علمه محلّ عينه فهما صفتان ، وإن كانا على الحقيقة شيئا واحدا ، فليس المراد ببصره إلا تجلى علمه له في هذا الشهد العياني ، وليس المراد بعلمه إلا الإدراك بنظره له في العلم العيني ، فهو يرى ذاته بذاته ، ويرى مخلوقاته أيضا بذاته ، فرؤياه لذاته عين رؤياه لمخلوقاته ، لأن البصر وصف واحد ، وليس الفرق إلا في المرائي ، فهو سبحانه وتعالى لا يزال يبصر الأشياء ، ولكنه لا ينظر إلى شيء إلا إذا شاء . وهنا نكتة شريفة فافهمها ، فالأشياء غير محجوبة عنه أبدا ، لكنه لا يوقع نظره على شيء إلا إذا شاء ذلك . ومن هذا القبيل ما ورد عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن للّه كذا وكذا نظرة إلى القلب في كل يوم » « 1 » أو ما في معنى ذلك ، وقوله سبحانه وتعالى : لا ينظر إليهم ولا يكلمهم ليس من هذا القبيل ، بل النظر هنا عبارة عن الرحمة الإلهية التي رحم به من قرّبه إليه ، بخلاف النظر الذي له إلى القلب ، فإنه على ما ورد ليس الأمر مخصوصا بالصفة النظرية وحدها ، بل سار في غيرها من الأوصاف . ألا ترى إلى قوله سبحانه وتعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ « 2 » ولا تظن أنه يجهلهم قبل الابتلاء تعالى

--> ( 1 ) العلل المتناهية 2 / 297 . ( 2 ) آية ( 31 ) سورة محمد .