عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
90
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
وعلمك وحياتك وقدرتك وكلامك وإرادتك وقلبك وقالبك كل شيء منك نسخة أي شيء من كماله ، وصورة أي حسن من جماله ؛ ولولا العهد المربوط والشرط المشروط لبينته أوضح من هذا البيان ولجعلته غذاء للصاحي ونقلا للسكران ، لكنه يكفي هذا القدر من الإشارة لمن له أدنى بصارة ، وما أعلم أحدا من قبلي أذن أن ينبه له على أسرار نبهت عليها في هذا الباب إلا أنا ، فقد أمرت بذلك ، ومن هذا القبيل أكثر الكتاب لكني جعلت قشرة على الباب يلفظها من هو من أولى الألباب . ويقف دونها من وقف دون الحجاب ، واللّه يقول الحق وهو يهدي إلى الصواب . الباب الحادي والعشرون : في السمع وفيه قال رحمه اللّه : السمع علم الحقّ للأشياء * من حيث منطقها بغير مراء والنطق فيها قد يكون تلفظا * ويكون حالا وهو نطق دعاء والحال عند اللّه ينطق بالذي * هو يقتضيه منطق الفصحاء واعلم أن السمع عبارة عن تجلي الحق بطريق إفادته من المعلوم ، لأنه سبحانه وتعالى يعلم كل ما يسمعه من قبل أن يسمعه ومن بعد ذلك ، فما ثم إلا تجلى علمه بطريق حصوله في المعلوم ، سواء كان المعلوم نفسه أو مخلوقاته فافهم . وهو للّه وصف نفسي اقتضاه لكماله في نفسه ، فهو سبحانه وتعالى يسمع كلام نفسه وشأنه كما يسمع كلام مخلوقاته من حيث منطقها ومن حيث أحوالها ، فسماعه لنفسه من حيث كلامه مفهوم ، وسماعه لنفسه من حيث شؤونه ، فهو ما اقتضته أسماؤه وصفاته من حيث اعتباراتها وطلبها للمؤثرات ، فإجابته لنفسه هو إبراز تلك المقتضيات وظهور تلك الآثار للأسماء والصفات . ومن هذا الاستماع الثاني تعليم الرحمن القرآن لعباده المخصوصين بذاته ، الذين نبه اللّه عليهم على لسان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بقوله : « أهل القرآن أهل اللّه وخاصته » « 1 » ويسمع العبد الذاتي مخاطبة الأسماء والأوصاف والذوات فيجيبها إجابة الموصوف للصفات ، وهذا السماع الثاني أعزّ من السماع الكلامي ، فإن الحقّ إذا أعار عبده الصفة السمعية يسمع ذلك العبد كلام اللّه ، يسمع اللّه لا يعلم ما هي عليه الأوصاف والأسماع مع الذات في الذات ، ولا تتعدد
--> ( 1 ) ابن ماجة في : المقدمة : ب ( 16 ) : حديث ( 215 ) ، وأحمد 3 / 128 ، والإتحاف 4 / 465 .