عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
89
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
الكلام القديم . وأما النوع الثاني من الجهة الأولى فهو الصادر عن مقام الربوبية بلغة الأنس بينه وبين خلقه كالكتب المنزلة على أنبيائه ، والمكالمات لهم ولمن دونهم من الأولياء ، ولذلك وقعت الطاعة والمعصية في الأوامر المنزلة في الكتب من المخلوق ، لأن الكلام الذي صدر بلغة الإنس فهم في الطاعة كالمجبرين ، أعني جعل نسبة اختيار الفعل إليهم ليصحّ الجزاء في المعصية بالعذاب عدلا ، ويكون الثواب في الطاعة فضلا ، لأنه جعل نسبة الاختيار لهم بفضله ، ولم يكن لهم ذلك إلا بجعله لهم ، وما جعل ذلك إلا لكي يصحّ الثواب ، فثوابه فضل وعقابه عدل . وأما الجهة الثانية للكلام فاعلم أن كلام الحقّ نفس أعيان الممكنات ، وكل ممكن كلمة من كلمات الحق ، ولهذا لا نفاد للممكن قال تعالى : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً فالممكنات هي كلمات الحق سبحانه وتعالى ، وذلك أن الكلام من حيث الجملة صورة لمعنى في علم المتكلم أراد المتكلم بإبراز تلك الصورة فهم السامع ذلك المعنى ؛ فالموجودات كلام اللّه وهي الصورة العينية المحسوسة والمعقولة الموجودة ، وكل ذلك صور المعاني الموجودة في علمه وهي الأعيان الثابتة . فإن شئت قلت حقائق الإنسان ، وإن شئت قلت ترتيب الألوهية ، وإن شئت قلت بساطة الوحدة ، وإن شئت قلت تفصيل الغيب ، وإن شئت قلت صور الجمال ، وإن شئت قلت آثار الأسماء والصفات ، وإن شئت قلت معلومات الحق ، وإن شئت قلت الحروف العاليات ، وإلى ذلك أشار الإمام محيي الدين ابن العربي في قوله : كنا حروفا عاليات لم تقرأ ، فكما أن المتكلم لا بد له في الكلام من حركة إرادية للتكلم ، ونفس خارج بالحروف من الصدر الذي هو غيب إلى ظاهر الشفة ، كذلك الحق سبحانه وتعالى في إبرازه لخلقه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة يريد أولا ثم تبرزه القدرة ، فالإرادة مقابلة للحركة الإرادية التي في نفس المتكلم ، والقدرة مقابلة للنفس الخارج بالحروف من الصدر إلى الشفة لإبرازها من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، وتكوين المخلوق مقابل لتركيب الكلمة على هيئة مخصوصة في نفس المتكلم ، فسبحان من جعل الإنسان نسخة له كاملة ، ولو نظرت إلى نفسك ودققت لوجدت لكلّ صفة منه نسخة من نفسك ، فانظر هويتك نسخة أيّ شيء ، وإنيتك نسخة أي شيء ، وروحك نسخة أي شيء وعقلك نسخة أي شيء ، وفكرك نسخة أي شيء ، وخيالك نسخة أي شيء ، وصورتك نسخة أي شيء ، وانظر إلى وهمك العجيب نسخة أي شيء ، وبصرك وحافظتك وسمعك