عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
88
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
يجوز فيها تقدير عدم الثبوت ، فهي ثابتة أبدا والعجز منتف أبدا فافهم . الباب الموفي عشرين : في الكلام وفيه قال رحمه اللّه : إن الكلام هو الوجود البارز * فيه جرى حكم الوجود الجائز كلا وهي في العلم كانت أحرفا * لا تنقري إذ ليس ثمة مائز فتميزت عند الظهور فعبروا * عنها بلفظة كن ليدري الفائز واعلم بأن اللّه حقا إن يقل * للشيء كن فيكون ما هو عاجز فله الكلام حقيقة وله مجا * زا كل ذلك كان وهو الجائز اعلم أن كلام اللّه تعالى من حيث الجملة هو تجلي علمه باعتبار إظهاره إياه ، سواء كانت كلماته نفس الأعيان الموجودة ، أو كانت المعاني التي بفهمها عبادة إما بطريق الوحي أو المكالمة أو أمثال ذلك ، لأن الكلام للّه في الجملة صفة واحدة نفسية ، لكن لها جهتان : الجهة الأولى على نوعين : النوع الأول أن يكون الكلام صادرا عن مقام العزّة بأمر الألوهية فوق عرش الربوبية وذلك أمره العالي الذي لا سبيل إلى مخالفته ، لكن طاعة الكون له من حيث يجهله ولا يدريه ، وإنما الحق سبحانه وتعالى يسمع كلامه في ذلك المجلي عن الكون الذي يريد تقدير وجوده ، ثم يجري ذلك الكون على ما أمره به عناية منه ورحمة سابقة ليصحّ للوجود بذلك اسم الطاعة فيكون سعيدا ، وإلى هذا أشار بقوله في مخاطبته للسماء والأرض : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فحكم للأكوان بطاعته ، فإنها أتت غير مكرهة تفضلا منه وعناية ، ولذلك سبقت رحمته غضبه لأنه قد حكم لها بالطاعة والمطيع مرحوم ، فلو حكم عليها بأنها أتت مكرهة لكان ذلك الحكم عدلا ، لأن القدرة تجبر الكون على الوجود ، إذ لا اختيار لمخلوق ، ولكان الغضب حينئذ أسبق إليه من الرحمة ، لكن تفضل فحكم بالطاعة لأن رحمته سبقت غضبه ، فكانت الموجودات بأثرها مطيعة ، فما ثم عاص له من حيث الجملة في الحقيقة ، وكل الموجودات مطيعة للّه تعالى كما شهد لها في كتابه بقوله : أَتَيْنا طائِعِينَ وكل مطيع فما له إلا الرحمة ، ولهذا آل حكم النار إلى أن يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط فتزول ، فينبت في محلها شجر الجرجير كما ورد في الخبر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وسنبين ذلك في هذا الكتاب في محله إن شاء اللّه تعالى ، فهذا أحد نوعي الجهة الأولى من