عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
77
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
نعت كانت بحكم المشهد لذلك المعتبر لا للذات ، ولهذا قلنا أن الذات هي الوجود المطلق ، ولم نقل الوجود القديم ولا الوجود المواجب لئلا يلزم من ذلك التقييد ، وإلا فمن المعلوم أن المراد بالذات هنا إنما هي ذات واجب الوجود القديم ، ولا يلزم من قولنا الوجود المطلق أن يكون تقييدا بالإطلاق لأن مفهوم المطلق هو ما لا تقييد فيه بوجه من الوجوه فافهم ، فإنه لطيف جدا . واعلم أن الذات الصرف الساذج إذا نزلت عن سذاجتها وصرافتها كان لها ثلاث مجال ملحقات بالصرافة والسذاجة . المجلى الأول : الأحدية ، ليس لشيء من الاعتبارات ولا الإضافات ولا الأسماء ولا الصفات ولا لغيرها فيها ظهور ، فهي ذات صرف ولكن قد نسبت الأحدية إليها ولهذا نزل حكمها عن السذاجة . والمجلى الثاني : الهوية ، ليس لشيء من جميع المذكورات فيه ظهور إلا الأحدية فالتحقت بالسذاجة لكن دون لحوق الأحدية لتعقل الغيبوبية فيها من طريق الإشارة إلى الغائب بالهوية فافهم . المجلى الثالث : الإنية ، وهي كذلك ليس لغير الهوية فيها ظهور البتة ، فالتحقت أيضا بالسذاجة لكن دون لحوق الهوية لتعقل المتحدث فيها والحضور والحاضر والمتحدث أقرب إلينا رتبة من الغائب المتعقل المبطون فافهم وتأمل . قال اللّه تعالى : إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ فأنا إشارة إلى الأحدية لأنها إثبات محض لا تقييد فيها ، وكذلك الأحدية ذات محض مطلق لا تقييد فيها لشيء دون غيره ، وهو في قوله إنه إشارة إلى الهوية الملحقة بالأحدية ولهذا برزت مركبة ، مع إني . وأنا إشارة إلى الهوية الملحقة بالأحدية الإنية ، ولهذا كانت المبدأ والمعول عليها في الإخبار بأنه اللّه ، فاستند الخبر وهو اللّه إلى أنا تنزيلا للإنية منزلة الهوية والأحدية ، والجميع عبارة عن الذات الساذج الصرف وليس بعد هذه الثلاثة مجلى إلا مجلى الواحدية المعبر عن مرتبتها بالألوهية التي استحقها الاسم اللّه ، وقد دلت الآية بالترتيب على ذلك فليتأمل . فإذا فهمت ما قلناه فاعلم أن الذاتيين عبارة عمن كانت اللطيفة الإلهية فيهم ، فقد سبق فيما قلنا أن الحق إذا تجلى على عبده وأفناه عن نفسه قام فيه لطيفة إلهية ، فتلك اللطيفة قد تكون ذاتية وقد تكون صفاتية ، فإذا كانت ذاتية كان ذلك الهيكل الإنساني هو الفرد الكامل والغوث الجامع ، عليه يدور أمر الوجود ، وله يكون الركوع والسجود ، وبه يحفظ اللّه العالم ، وهو المعبر عنه بالمهدي والخاتم وهو الخليفة ، وأشار إليه في قصة آدم ، تنجذب حقائق الموجودات إلى امتثال أمره انجذاب الحديد إلى حجر المغناطيس ، ويقهر الكون بعظمته ويفعل ما يشاء بقدرته ، فلا يحجب عنه