عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

78

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

شيء ، وذلك أنه لما كانت هذه اللطيفة الإلهية في هذا الولي ذاتا ساذجا غير مقيد برتبة لا حقيقية إلهية ولا خلقية عبدية ، أعطى كل رتبة من رتبة الموجودات الإلهية الخلقية حقها ، إذا ما ثمت شيء يمسكه من إعطاء الحقائق حقها والماسك للذات إنما هو تقييدها برتبة أو اسم أو نعت حقية كانت أو خلقية ، وقد ارتفع الماسك لأنها ذات ساذج ، كل الأشياء عنده بالفعل لا بالقوة لعدم المانع ، وإنما تكون الأشياء في الذوات بالقوّة تارة وبالفعل أخرى لأجل الموانع ، فارتفاعها إما بوارد على الذات أو صادر عنها ، وقد يتوقف ارتفاع المانع بحال أو وقت أو صفة أو نحو ما ذكر ، وقد تنزّهت الذات عن جميع ذلك ، فأعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، ولولا أن أهل اللّه تعالى منعوا من تجلي الأحدية فضلا عن تجلي الذات ، لتحدثنا في الذات بغرائب تجليات وعجائب تدليات إلهية ذاتية محضة ليس لاسم ولا وصف ولا غيرهما فيها مجال ولا دخول ، بل كنا ننزله من مكنون خزائن غيبه بمفاتيح غيبه على صفحات وجه الشهادة بألطف عبارة وأظرف إشارة ، فيفتح بتلك المفاتيح مغلق أقفال العقول ، ليلج جمل العبد من سم خيوط الوصول إلى جنة ذاته المحفوظة بحجب الصفات المصونة بالأنوار والظلمات يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ ، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ « 1 » . الباب السادس عشر : في الحياة وجود الشيء لنفسه حياته التامة ، ووجود الشيء لغيره حياة إضافية له ، فالحق سبحانه وتعالى موجود لنفسه ، فهو الحقّ ، وحياته هي الحياة التامة ، فلا يلحق بها ممات ، والخلق من حيث الجملة موجود دون اللّه ، فليست حياتهم إلا حياة إضافية ، ولهذا التحق بها الفناء والموت ، ثم إن حياة اللّه في الخلق واحدة تامة لكنهم متفاوتون فيها ، فمنهم من ظهرت الحياة فيه على صورتها التامة وهو الإنسان الكامل ، فإنه موجود لنفسه وجودا حقيقيا لا مجازيا ولا إضافيا قربه ، فهو الحيّ التام الحياة بخلاف غيره ، والملائكة العليون وهم المهيمنة ومن يلحق بهم ، وهم الذين ليسوا من العناصر كالقلم الأعلى واللوح وغيرهما من هذا النوع ، فإنهم ملحقون بالإنسان الكامل فافهم . ومن الموجودات من ظهرت الحياة فيه على صورتها لكن غير تامة وهو الإنسان الكامل الحيواني والملك والجنّ ، فإن كلا من هؤلاء موجود لنفسه يعلم أنه

--> ( 1 ) آية ( 35 ) سورة النور .