عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

63

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

بذلك الكمال الإلهي ، وعلامة هذا أن يعود إلى الطاعات ولا يدوم على المعصية ، وإما رجل استدرك إلى أن تمكن من المعاصي فاحتجب الحق عنه فبقي فيها ودامت عليه ، نعوذ باللّه من ذلك ؛ ومنهم من يشهده فيهما فتكون تارة وتارة : أسير إلى نجد إذا نزلت به * وأرحل نحو الغور إن فيه حلت ومنهم من يكون في شهوده لفعل اللّه تعالى غير ساكن إلى ما يجريه عليه من المعصية ، فيبكي ويتضرع ويحزن ويستغفر اللّه تعالى ويسأله الحفظ مع صدور المعصية ، منه لجريان القدرة فيه ، فهذا دليل على صدقه وتمحض مشهده وبراءته من الشهوة النفسية فيما قضى عليه به ؛ ومنهم من لا يتضرّع ولا يحزن ولا يسأله الحفظ ويكون ساكنا تحت جريان القدرة منصرفا حيث وجهه ولا يوجد فيه اضطراب ، وهذا دليل على قوة كشفه في هذا المشهد ، وهو أعلى من الأول إن سلم من وساوس نفسه ؛ ومنهم من يبدل اللّه معصيته طاعة فيشهد جريان القدرة في المعاصي وغيرها ، ويشهده اللّه جريان المعصية عليه ويكتبها اللّه عنده طاعة فلا يجري عليه عند اللّه اسم معصية ؛ ومنهم من تكون نفس معصيته طاعة لموافقته لإرادة اللّه تعالى ، ولو أمر بخلاف ما أريد منه ، فيكون العبد في هذا المشهد عاصيا من جهة الأمر والمخالفة مطيعا من جهة الإرادة والموافقة ، وذلك أنه أشهد أولا قبل الفعل إرادة الحق منه ، فما أتاه الاسم إلا موافقا لإرادته وهو مع ذلك ناظر إلى جريان القدرة فيه وتقليب الحق له ، ومنهم من يبتلي فتجلى اللّه له فيما يذمّ حقيقة وشرعا ، فيشهد تقلب الحق له في الخذلان ، فيأتيها وهو يعلم أنه مخذول ، وذلك لما اقتضاه حكم مشهده من ظهور الحق له في ذلك الفعل : وقائله لا تشتكي الضدّ من علوي * وكن صابرا فيها على الصدّ والبلوى فقلت : دعيني ما دعت لي زينب * إلى غير خذلاني طريقا ولا مأوى نصيبي منها ما تحققت قبحه * ومن قبح ما حققته هذه الشكوى اجتمع رجل فقير من أهل الغيب بفقير كان هذا مشهده ، فقال له : يا فقير لو لزمت الأدب مع اللّه بحفظ الظاهر وطلبت منه السلامة كان أولى بك في طلب معاملته تعالى ، فقال الفقير : قلت له يا سيدي موافقتي لإرادته ولو لبست خلعة الخذلان أو قلدت نجاد العصيان أولى بالأدب ، أم لبسي لاسم الطاعة وطلب مخالفتي لإرادته ولا يكون إلا ما يريد ، قال : فخلي سبيلي وانصراف .