عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

64

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

واعلم أن أهل هذا التجلي المذكور وإن عظم مقامهم وجلّ مرامهم فإنهم محجوبون عن حقيقة الأمر ، ولقد فاتهم من الحق أكثر مما نالهم ، فتجلى الحق في أفعاله حجاب عن تجلياته في أسمائه وصفاته ، ويكفي هذا القدر من ذكر تجليات الأفعال فإنها كثيرة ، وقصدنا في هذا الكتاب التوسط بين الاقتصار والتطويل ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الثالث عشر : في تجلي الأسماء إذا تجلى اللّه تعالى على عبد من عبيده في اسم من أسمائه اصطلم العبد تحت أنوار ذلك الاسم فمتى ناديت الحق بذلك الاسم أجابك العبد لوقوع ذلك الاسم عليه ، فأول مشهد من تجليات الأسماء أن يتجلى اللّه لعبده في اسمه الموجود ، فيطلق هذا الاسم على العبد ، وأعلى منه تجليه له في اسمه الواحد وأعلى منه تجليه في اسمه اللّه ، فيصطلم العبد لهذا التجلي ويندك جبله ، فيناديه الحق على طور حقيقته : إنه أنا اللّه ، هنالك يمحو اللّه اسم العبد ويثبت له اسم اللّه ، فإن قلت يا اللّه أجابك هذا العبد لبيك وسعديك ، فإن ارتقى وقواه اللّه وأبقاه بعد فنائه كان اللّه مجيبا لمن دعا هذا العبد . فإن قلت مثلا يا محمد ، أجابك اللّه لبيك وسعديك ، ثم إذا قوى العبد في الترقي تجلى الحق له في اسمه الرحمن ثم في اسمه الربّ ثم في اسمه الملك ثم في اسمه العليم ثم في اسمه القادر ، وكلما تجلى اللّه في اسم من هؤلاء الأسماء المذكورة فإنه أعزّ مما قبله في الترتيب ، وذلك لأن تجلي الحق في التفصيل أعزّ من تجليه في الإجمال ، فظهوره لعبده في اسمه الرحمن تفصيل لإجمال ظهر به عليه في اسمه اللّه ، وظهوره لعبده في اسمه الربّ تفصيل لإجمال ظهر به عليه في اسمه الرحمن ، وظهوره في اسمه الملك تفصيل لإجمال ظهره به عليه في اسمه الربّ ، وظهوره في اسمه العليم والقادر تفصيل لإجمال ظهر به عليه في اسمه الملك ، وكذلك بواقي الأسماء ، بخلاف تجلياته الذاتية ، فإن ذاته إذا تجلت لنفسه بحكم مرتبة من هذه المراتب كان الأعم فوق الأخص ، فيكون الرحمن فوق الرب ، وفوقهما اللّه فافهم . وذلك بخلاف التجليات الأسمائية المذكورة فينتهي العبد في هذه التجليات الأسمائية التي حقيقتها ذاتية إلى أن تطلبه جميع الأسماء الإلهية طلب وقوع كما يطلب الاسم المسمى فحينئذ يغرّد طائر أنسه على فنن قدسه قائلا : ينادي المنادي باسمها فأجيبه * وأدعي فليلي عن ندائي تجيب