عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

57

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

التجليات الآخر تحته كحكم الأنجم تحت الشمس موجودة معدومة على أن نور الأنجم في نفسها من نور الشمس ، وكذلك باقي التجليات الإلهية إنما هي رشحة من سماء هذا التجلي أو قطرة من بحره ، وهي على وجودها معدومة من ظهور سلطان هذا التجلي الذاتي ، المستأثر الذي استحقه لنفسه من حيث علمه به ، وبواقي التجليات استحقها لنفسه من حيث علم غيره به فافهم ، جري جواد البيان في مضمار هذا التبيان إلى أن أبدى حكم ما لا يظهر أبدا ، فلنقبض العنان في هذا البرهان ، ونبسط اللسان فيما فيه كان الترجمان ، فنقول : بعد أن أعلمناك أن العماء هو نفس الذات باعتبار الإطلاق في البطون والاستتار ، وأن الأحدية هي نفسه باعتبار التعالي في الظهور مع وجوب سقوط الاعتبارات فيها ، وقولي باعتبار الظهور واعتبار الاستتار إنما هو لإيصال المعنى إلى فهم السامع ، لا أنه من حكم العماء اعتبار البطون ، أو من حكم الأحدية اعتبار الظهور فافهم . واعلم أنك في نفسك وللّه المثل الأعلى في عماء عنك إذا اعتبرنا عدم ظهورك لك مطلقا بكلية ما أنت عليه ، ولو كنت عالما بما أنت به وعليه ، لكن بهذا الاعتبار فأنت ذات في عماء ، ألا تراك باعتبار أن الحق سبحانه وتعالى عينك وهويتك وقد تغفل عن حقيقة ما هو أنت به أحق ، فتكون عنك في عماء بهذا الاعتبار ، وأنت من حيث حقك لم يحتجب عنك ، لأن حكم الحق أن لا يحتجب عن نفسه فكنت في ظهورك لنفسك بحكم الحق على ما أنت عليه من العماء ، وهو استتارك عن حقيقتك بحكم الخلق ، فكنت ظاهرا لنفسك باطنا عنك ، وهذا ضرب من الأمثال التي نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ؛ ولهذا لما سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أين كان الحق قبل أن يخلق الخلق ؟ » أجاب بقوله : « في عماء » « 1 » لأن التجلي في نفسه لا بد أن يقتضي من حيث اسمه أن يكون لا استتار قبله وهذه القبلية قبلية حكم لا قبلية توقيت ، لأنه تعالى أن يكون بينه وبين خلقه توقيت أو انفصال أو انفكاك أو اتصال أو تلازم إذ الوقت والانفصال ، والانفكاك والتلازم مخلوقات له ، فكيف يكون بينه وبين مخلوقاته مخلوقات أخر ، إذ لو كان كذلك للزم التسلسل والدور ، وهما محالان ، فلا بد أن تكون قبليته وبعديته وأوليته وآخريته حكما ، واعتبار محلات وإضافات لا زمانية ولا مكانية ، بل كما ينبغي له ، فهو قبل خلق الخلق في

--> ( 1 ) أحمد 4 / 12 ، وابن حبان ( 39 ) ، والطبري 12 / 4 ، وتاريخ الطبري 1 / 38 .