عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

58

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

عماء وبعد خلق الخلق فيما كان عليه من قبل ، فعلم من هذا أن المراد بالعماء هو الحكم السابق إلى الذات بعد الاعتبارات ، وخلق الخلق يقتضي الظهور ، والظهور هو الحكم اللاحق بالذات مع وجود الاعتبارات ؛ فتلك السبقية هي القبلية ، وهذا اللحوق هو البعدية ، ولا قبل ولا بعد ، إذ هو قبل وبعد ، وهو أول وهو آخر . والعجب من هذا أن ظهوره عين بطونه لا باعتبار ولا بنسبة وجهة ، بل عين هذا عين هذا ، فأوليته عين آخريته وقبليته عين بعديته ، حارت فيه العقول وانقطع دون عظمته الوصول ، فلا مفهوم يصوره ولا معقول . الباب العاشر : في التنزيه التنزيه عبارة عن انفراد القديم بأوصافه وأسمائه وذاته ، كما يستحقه من نفسه لنفسه بطريق الأصالة والتعالي ، لا باعتبار أن المحدث ماثله أو شابهه ، فانفرد الحق سبحانه وتعالى عن ذلك ، فليس بأيدينا من التنزيه إلا التنزيه المحدث ، والتحق به التنزيه القديم ، لأن التنزيه المحدث ما بإزائه نسبة من جنسه وليس بإزاء التنزيه القديم نسبة من جنسه ، لأن الحق لا يقبل الضدّ ولا يعلم كيف تنزيهه ، فلأجل ذا نقول تنزيه عن التنزيه ، فتنزيهه لنفسه لا يعلمه غيره ولا يعلم إلا التنزيه المحدث ، لأن اعتباره عندنا تعري الشيء عن حكم كان يمكن نسبته إليه فينزّه عنه ، ولم يكن للحق تشبيه ذاتي يستحق عنه التنزيه ، إذ ذاته هي المنزّهة في نفسها على ما يقتضيه كبرياؤها ، فعلى أيّ اعتبار كان وفي أيّ مجلي ظهر أو بان تشبيهيا كان ، كقوله : « رأيت ربي في صورة شاب أمرد » « 1 » أو تنزيهيا كقوله له : « نور أنّى أراه » « 2 » فإن التنزيه الذاتي له حكم لازم لزوم الصفة للموصوف ، وهو من ذلك المجلي على ما استحقه من ذاته لذاته بالتنزيه القديم الذي لا يسوغ إلا له ولا يعرفه غيره ، فانفرد في أسمائه وصفاته وذاته ومظاهره وتجلياته بحكم قدمه عن كل ما ينسب إلى الحدوث ولو بوجه من الوجوه ، فلا تنزيهه كالتنزيه الخلقي ولا تشبيهه كالتشبيه تعالى وانفرد . وأما من قال : إن التنزيه راجع إلى تطهير محلك لا إلى الحق فإنه أراد بهذا التنزيه الخلقي الذي بإزائه التشبيه يعم ، لأن العبد إذا اتصف من أوصاف الحق بصفاته

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) مسلم في : الإيمان : ب ( 78 ) : حديث ( 291 ) ، وأحمد 5 / 157 و 171 .