عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

43

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

محض لا ظهور لصفة فيها فضلا عن أن يظهر فيها مخلوق ، فامتنع نسبتها إلى المخلوق من كل جهة ، فما هي إلا للقديم القائم بذاته ، ولا كلام في ذات واجب الوجود فإنه لا يخفى عليه شيء من نفسه ، فإن كنت أنت هو فما أنت أنت بل هو هو ، وإن كان هو أنت فما هو هو ، بل أنت أنت ، فمن حصل في هذا التجلي فليعلم أنه من تجليات الواحدية ، لأن تجلي الأحدية لا يسوغ فيها ذكر أنت ولا ذكر هو فافهم ، وسيجيء الكلام على الأحدية في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى . واعلم أن الوجود والعدم متقابلان وفلك الألوهية محيط بهما ، لأن الألوهية محيط تجمع الضدين من القديم والحديث والحق والخلق والوجود والعدم ، فيظهر فيها الواجب مستحيلا بعد ظهوره واجبا ويظهر فيها المستحيل واجبا بعد ظهوره فيها مستحيلا ، ويظهر الحق فيها بصورة الخلق مثل قوله : « رأيت ربي في صورة شاب أمرد » « 1 » ، ويظهر الخلق بصورة الحق مثل قوله : « خلق آدم على صورته » « 2 » وعلى هذا التضاد فإنها تعطي كل شيء مما شملته من هذه الحقائق ، فظهور الحق في الألوهية على أكمل مرتبة وأعلاها وأفضل المظاهر وأسماها ، وظهور الخلق في الألوهية على ما يستحقه الممكن من تنوّعاته وتغيراته وانعدامه ووجوده ، وظهور الوجود في الألوهية على كمال ما تستحقه مراتبه من جميع الحق والخلق وأفراد كل منهما ، وظهور العدم في الألوهية على بطونه وصرافته وانمحاقه في الوجه الأكمل غير موجود في فنائه المحض ، وهذا لا يعرف بطريق العقل ولا يدرك بالفكر ، ولكنه من حصل في هذا الكشف الإلهي علم هذا الذوق المحض من هذا التجلي العام المعروف بالتجلي الإلهي ، وهو موضع حيرة الكمل من أهل اللّه تعالى ، وإلى سرّ هذه الألوهية أشار صلّى اللّه عليه وسلم بقوله : « أنا أعرفكم باللّه وأشدكم خوفا منه » « 3 » فما خاف صلّى اللّه عليه وسلم من الربّ ولا من الرحمن ، وإنما خاف من اللّه ، وإليه الإشارة بقوله : ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ « 4 » على أنه أعرف الموجودات باللّه تعالى وبما يبرز من ذلك الجناب

--> ( 1 ) كنز العمال ( 1152 ) ، والخطيب 11 / 214 ، وتذكرة الموضوعات ( 12 ) ، والأسرار المرفوعة ( 204 و 205 ) . ( 2 ) مسلم في : البر والصلة : حديث ( 115 ) . ( 3 ) كشف الخفاء 1 / 231 ، وقال : قال في « المقاصد » قال شيخنا صحيح . ( 4 ) آية ( 9 ) سورة الأحقاف .