عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
34
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
بسم اللّه الرحمن الرحيم ] فلينظر هناك . والحرف الثاني من هذا الاسم : هو اللام الأول ، فهو عبارة عن الجلال ولهذا كان اللام ملاصقا للألف لأن الجلال أعلى تجليات الذات وهو أسبق إليها من الجمال . وقد ورد في الحديث النبوي : « العظمة إزاري ، والكبرياء ردائي » « 1 » ولا أقرب من الإزار والرداء إلى الشخص ، فثبت أن صفات الجلال أسبق إليه من صفات الجمال ، ولا يناقض هذا قوله تعالى : سبقت رحمتي غضبي « 2 » فإن الرحمة السابقة إنما هي شرط العموم والعموم من الجلال . واعلم أن الصفة الواحدية الجمالية إذا استوفت كمالها في الظهور أو قاربت سميت جلالا لقوّة ظهور سلطان الجمال ، فمفهوم الرحمة من الجمال ، وعمومها وانتهاؤها هو الجلال . الحرف الثالث : هو اللام الثاني ، وهو عبارة عن الجمال المطلق الساري في مظاهر الحق سبحانه وتعالى ، وجميع أوصاف الجمال راجع إلى وصفين ، العلم ، واللطف ، كما أن جميع أوصاف الجلال راجع إلى وصفين العظمة ، والاقتدار . ونهاية الوصفين الأولين إليهما ، فكأنهما وصف واحد ؛ ومن ثم قيل : إن الجمال الظاهر للخلق إنما هو جمال هو الجلال ، والجلال إنما هو جمال الجمال لتلازم كل واحد منهما للآخر ، فتجلياتهما في المثل كالفجر الذي هو أول مبادئ طلوع الشمس إلى نهاية طلوعها ، فنسبة الجمال نسبة الفجر ، ونسبة الجلال نسبة شروقها ، وهذا الإشراف من ذلك الفجر ، وذلك الفجر من هذا الإشراق ، فهذا معنى جمال الجلال وجلال الجمال ؛ ولما كان هذا اللام إشارة إلى هذين المظهرين لكن باختلاف المراتب ، وكانت بسائطه لام ألف ميم ، وجملة هذه الأعداد أحد وسبعون عددا ، وتلك هي عدد الحجب التي أسدلها الحق دونه بينه وبين خلقه ؛ وقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « إن للّه نيفا وسبعين حجابا من نور » وهو الجمال وظلمة وهو الجلال « لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره » « 3 » يعني الواصل إلى ذلك المقام لا يبقى له عين ولا أثر ، وهي الحالة التي يسميها الصوفية المحق والسحق ؛ فكل عدد من أعداد هذا
--> ( 1 ) أحمد 2 / 414 ، وابن حبان ( 49 ) ، والصحيحة ( 541 ) . ( 2 ) البخاري 9 / 147 و 196 ، ومسلم في : التوبة : ب ( 4 ) : حديث ( 14 ) ، وأحمد 2 / 260 . ( 3 ) مسلم في : الإيمان : حديث ( 293 ) دون ذكر عدد ، وابن ماجة في : المقدمة : حديث ( 195 ، 196 ) ، وأحمد 4 / 401 و 405 .