عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
30
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
الباب الثاني : في الاسم مطلقا حيّ لهند ممنع الأعتاب * عالي المكان شامخ الأبواب من دونه ضرب الرقاب وكل ما * لا تستطيع الخلق من إعراب لو أن نشرا هب من أرجائها * سلب العقول وطاش بالألباب الاسم ما يعين المسمى في الفهم ، ويصوّره في الخيال ، ويحصره في الوهم ، ويدبره في الفكر ، ويحفظه في الذكر ، ويوجده في العقل ، سواء كان المسمى موجودا أو معدوما ، حاضرا أو غائبا ، فأول كمال تعرّف المسمى نفسه إلى من يجهله بالاسم ، فنسبته من المسمى نسبة الظاهر من الباطن ، فهو بهذا الاعتبار عين المسمى ، ومن المسميات ما تكون معدومة في نفسها ، موجودة في اسمها كعنقاء مغرب في الاصطلاح ، فإنها لا وجود لها إلا في الاسم ، وهو الذي أكسبها هذا الوجود ، منه أعلمت صفاتها التي تقتضيها لذات هذا الاسم ، وهو أعني الاسم غير المسمى ، باعتبار أن مفهوم عنقاء مغرب في الاصطلاح : هو الشيء الذي يغرب عن العقول والأفكار ، وكان بنقشه على هيئة مخصوصة غير موجودة المثال لعظمها ، وليس هذا الاسم بنفسه على هذا الحكم فكأنه ما وضع على هذا المعنى إلا وضعا كليا على معقول معنى ليحفظ رتبته في الوجود كيلا ينعدم ، فتحسب أن الوجود في ذاته ما هو بهذا الحكم ، فهو السبيل إلى معرفة مسماه ، ومنه يصل الفكر إلى تعقل معناه ، فألق الألف من الكلام ، واستخرج الورد من الكمام . وعنقاء مغرب في الخلق مضادّ لاسمه اللّه تعالى في الحقّ ، فكما أن مسمى عنقاء في نفسه عدم محض ، فكذلك مسمى اللّه تعالى في نفسه وجود محض ، فهو مقابل لاسم اللّه باعتبار أن لا وصول إلى مسماه إلا به ، فهو أي عنقاء مغرب بهذا الاعتبار موجود ، فكذلك الحق سبحانه وتعالى لا سبيل إلى معرفته إلا من طريق أسمائه وصفاته ، إذ كل من الأسماء والصفات تحت هذا الاسم ، ولا يمكن الوصول إليه إلا بذريعة أسمائه وصفاته فحصل من هذا أن لا سبيل إلى الوصول إلى اللّه إلا من طريق هذا الاسم . واعلم أن هذا الاسم هو الذي اكتسب الوجود بحقيقته ، وبه اتضحت له سبيل طريقته ، فكان ختما على المعنى الكامل في الإنسان ، وبه اتصل المرحوم بالرحمن ، فمن نظر نقش الختم فهو مع اللّه تعالى بالاسم ، ومن عبر المنقوشات فهو مع اللّه