عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
31
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
تعالى بالصفات ، ومن فكّ الختم فقد جاوز الوصف والاسم ، فهو اللّه بذاته غير محجوب عن صفاته ، فإن أقام الجدار الذي يريد أن ينقض ، وأحكم الختم الذي يريد أن ينفض ، بلغ يتيما حقه وخلقه أشدهما واستخرجا كنزهما . واعلم أن الحقّ سبحانه وتعالى جعل هذا الاسم مرآة للإنسان ، فإذا نظر بوجهه فيها علم حقيقة : « كان اللّه ولا شيء معه » « 1 » وكشف له حينئذ أن سمعه سمع اللّه وبصره بصر اللّه وكلامه كلام اللّه وحياته حياة اللّه وعلمه علم اللّه وإرادته إرادة اللّه وقدرته قدرة اللّه تعالى ، كلّ ذلك بطريق الأصالة ، ويعلم حينئذ أن جميع ذلك إنما كان منسوبا إليه بطريق العارية والمجاز ، وهي للّه بطريق الملك والتحقيق . قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ « 2 » وقال في موضع آخر : إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً « 3 » فكأن ذلك الشيء الذي يخلقونه هو الشيء الذي يخلقه اللّه ، فكان الخلق منسوبا إليهم بطريق العارية والمجاز ، وهو للّه تعالى بطريق الملك والنسبة ، والناظر وجهه في مرآة هذا الاسم يكتسب هذا العلم ذوقا يكون عنده من علوم التوحيد علم الواحدية ، ومن حصل له هذا المشهد كان مجيبا لمن دعا اللّه ، فهو إذن مظهر لاسمه اللّه ، ثم إذا ترقى وصفا من كدر العدم إلى العلم بوجود الواجب ، وزكاه اللّه بظهور القدم من خبث الحدث صار مرآة لاسمه اللّه ، فهو حينئذ مع الاسم كمرآتين متقابلتين توجد كل منهما في الأخرى ، ومن حصل له هذا المشهد كان اللّه مجيبا لمن دعاه ، يغضب اللّه لغضبه ويرضى لرضاه ، ويوجد عنده من علوم التوحيد علم الأحدية فما دونها ، وبين هذا المشهد والتجلي الذاتي لطيفة ، وهي أن صاحب هذا المشهد يتلو الفرقان وحده ، والذاتي يتلو جميع الكتب المنزلة فافهم . واعلم أن هذا الاسم هيولي الكمالات كلها ، لا يوجد كمال إلا وهو تحت فلك الاسم ، ولهذا ليس لكمال اللّه من نهاية ، لأن كل كمال يظهره الحق من نفسه فإن له في غيبه من الكمالات ما هو أعظم من ذلك وأكمل ، فلا سبيل إلى الوقوع على نهاية الكمال من الحق بحيث أن لا يبقى مستأثرا عنده ؛ وكذلك الهيولي المعقولة أيضا لا سبيل إلى بروز جميع صورها بحيث أن لا يبقى فيها قابلية صورة
--> ( 1 ) البخاري 4 / 88 ، والحاكم 2 / 341 . ( 2 ) آية ( 96 ) سورة الصافات . ( 3 ) آية ( 17 ) سورة العنكبوت .