عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
279
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
فيكون ذلك الغير لها كالمرآة أو الطابع ، فتنظر نفسها في ذلك الشيء فتقبله لنفسها وتستعمله كما تستعمل ذلك الشيء بحكم الأصالة ، فاسم الحق أولا وسيلة الأرواح إلى السكون إلى الأوصاف الإلهية ، وقلب الوليّ الواصل إلى مقام القربة وسيلة الأجسام إلى السكون إلى التحقق بالحقائق الإلهية لظهور الآثار ، فلا يمكن الوليّ أن يتحقق جسده بالأمور الإلهية إلا بعد مشاهدته كيفية تحقق وليّ من أهل مقام القربة ، فيكون ذلك الوليّ وسيلته في البلوغ إلى درجة التحقق ، وكل من الأنبياء والأولياء وسيلتهم محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فالوسيلة هي عين مقام القربة وأوّل مرتبة من مراتبها مقام الخلة ، وانتهاء مقام الخليل ابتداء مقام الحبيب ، لأن الحبيب الذاتي عبارة عن التعشق الاتحادي فيظهر كلّ من المتعشقين على صورة الثاني ، ويقوم كل منهما مقام الآخر . ألا ترى إلى الجسد والروح لما كان تعشقهما ذاتيا كيف تتألم الروح لتألم الجسد في الدنيا ، ويتألم الجسد لتألم الروح في الأخرى ، ثم يظهر كل منهما في صورة الآخر ، وإلى هذا أشار سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بقوله لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ « 1 » أقام محمدا صلّى اللّه عليه وسلم مقام نفسه ، وكذلك قوله : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ « 2 » ثم صرّح النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم لأبي سعيد الخدري لما رآه في النوم فقال له : يا رسول اللّه اعذرني فإن محبة اللّه شغلتني عن محبتك ، فقال له : يا مبارك إن محبة اللّه هي محبتي فلما كان محمد صلّى اللّه عليه وسلم هناك خليفة عن اللّه كان اللّه هنا نائبا عن محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، والنائب هو الخليفة ، والخليفة هو النائب ، فذاك هو هذا وهذا هو ذاك ، ومن هنا تفرّد محمد صلّى اللّه عليه وسلم بالكمال ، فختم الكمالات والمقامات الإلهية باطنا ، وشهد له بذلك ختمه لمقام الرسالة ظاهرا ، وآخر مقام المحبة أوّل مقام الختام ، ومقام الختام عبارة عن التحقق بحقيقة ذي الجلال والإكرام إلا في نوادر مما لا يمكن المخلوق أن يصل إلى ذلك ، فتكون تلك الأشياء له في سبيل الإجمال ، وهي في الأصل للّه على سبيل التفصيل ، فلأجل هذا لا يزال الكامل يترقى في الأكملية ، لأن اللّه تعالى ليس له نهاية ، فلا يزال الوليّ يترقى فيه على حسب ما يذهب به اللّه في ذاته . ثم اعلم أن مقام العبودية غير مختص بمكانة دون غيرها ، فقد يرجع الوليّ من مقام الخلة إلى الخلق فيقيمه اللّه في مقام العبودية ، وقد يرجع من مقام الحبّ وقد
--> ( 1 ) آية ( 10 ) سورة الفتح . ( 2 ) آية ( 80 ) سورة النساء .