عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

274

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

ليفعل اللّه به ما يشاء هو من الطائفة المذكورة في آخر هذه الآية بقوله تعالى : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ « 1 » يعني لا بد أن يفعل اللّه ما يريد قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً « 2 » فتوكل المحسنين هو عبارة عن صرف الأمر إلى اللّه تعالى ، وتوكل الشهداء عبارة عن رفع الأسباب والوسائط بنظرهم إلى المسيب سبحانه وتعالى وتصريفه فيهم قد توكلوا عليه بجعل إرادته عين مرادهم ، فليس لهم اختيار يتميزون به في طلب بل جميع ما يريده اللّه تعالى هو اختبارهم وإرادتهم ، وتوكل الصديقين إرجاع شأن ذواتهم إلى شأن ذوات الحق تعالى ، فلا يقع نظرهم على أنفسهم فهم متوكلون على اللّه تعالى بالاستغراق في شهوده والاستهلاك في وجوده ، واتكال المخفقين عدم الانبساط بعد التمكين في البساط . وأما التفويض ، فهو والتسليم واحد وبينهما فرق يسير وهو أن المسلم قد لا يكون راضيا بما يصدر إليه ممن سلم إليه أمره ، بخلاف المفوّض فإنه راض بماذا عسى أن يفعله الذي فوّض المفوّض أمره إليه ، وهما أعني التسليم والتفويض قريب من الوكالة ، والفرق بين الوكالة وبينهما أن الوكالة فيها رائحة من دعوى الملكية للموكل فيما وكل فيه الوكيل ، بخلاف التسليم والتفويض فإنهما خارجان عن ذلك ؛ فتفويض المحسنين ومن دونهم للحق في جميع أمورهم هو إرجاع الأمور التي جعلها اللّه لهم إلى الحق ، فهم بريئون من دعوى الملكية لما صرفوه إلى الحق تعالى من جميع أمورهم ، فذلك هو التفويض ؛ وتفويض الشهداء سكونهم إلى الحق تعالى فيما يقلبهم فيه ، فهم ملاحظون لأفعال اللّه تعالى في أنفسهم ، وفي غيرهم مفوضون إليه زمام الأمر ، يرون أن أخذ الحق بنواصي سائر المخلوقات عام وبنواصيهم خاص إلى ما يريده الحق تعالى فهم بريئون في أعمالهم من دعوى الفاعلية ، فلأجل هذا لا يتوقعون الأجر ولا يطلبون الجزاء ، لأنهم لا يرون لأنفسهم فعلا فيستحقون به الجزاء ، وتفويض الصديقين ملاحظة الجمال الإلهي حيث تنوّعات التجليات فهم غير مقيدين بتجلّ دون غيره ، فهم مفوّضون أمر تجلياته إلى ظهوره ، ففي أيهما ظهر شاهدوه على حسب المقام والاسم والصفة والإطلاق والتقييد . وتفويض المقرّبين عدم الجزع على ما اطلعوا عليه بما جرى به القلم في المخلوقات ، فلا يتصرفون في الوجود بشيء بل

--> ( 1 ) الآية السابقة . ( 2 ) نفس الآية .