عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

275

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

مفوّضون إلى الحق تعالى يتصرّف في ملكه كيف يشاء ، وهؤلاء هم الأمناء الأدباء لا يفشون أسرار اللّه ، ولا يطلبون بذلك علوّا على غيرهم ولا فسادا في أمور الناس ، بل يعاملون الخلق بما يعامل بعضهم بعضا ، فلا يتعاطون شيئا من هتك ستر ولا نفود أمر ، بل كائنون مع الخلق بأجسادهم بائنون عنهم بأرواحهم في حضرة القرب الإلهي . وأما الرضا فشرطه أن يكون بعد القضاء ، وأما قبله فإنه عزم على الرضا وقد نصّ على هذا غير واحد من أئمة الطريق ، فرضا المحسنين عن اللّه تعالى بالقضاء ، ولا يلزم من هذا أن يرضوا بالمقضى ، لأن اللّه تعالى قد يقضي مثلا بالشقاوة ، فرضاهم عن اللّه بالقضاء إذ القضاء هو حكم اللّه تعالى ، فيجب الرضا بحكمه ولا يلزمهم أن يرضوا بالشقاء ، بل يجب عليهم أن لا يرضوا به ؛ ورضا الشهداء هو محبتهم للّه تعالى من غير طلب وصول أو نفور من هجر أو بعاد ، بل على البعد واللقاء والسخط والرضاء لا يرجعون عن محبتهم ولا يلتفتون إلى راحتهم ؛ ورضا الصديقين بتعشق المحاضر برضا الحاضر في أعلى المناظر ، وذلك لأنهم لا يزالون في الترقي ، وكلما ترقى العبد ضاق طريقة في الحضرة الإلهية ؛ لأن العبد أول ما يكون مع اللّه تعالى في تجلي الأفعال ، فيشهده في سائر المخلوقات ، ثم إذا ارتقى ضاق مشهده ، ولا يزال كلما ترقى تضيق مناظره ، فرضا الصديقين هو سكوتهم إلى الحق في ذلك الضيق ، وهذا لا يدرك بالعقل ، بل هو أمر كشفي ذوقي ؛ وأما رضا المقربين ففي رجوعهم من الحق إلى الخلق . وأما الإخلاص فإنه من الصالحين ومن دونهم عدم الالتفات إلى نظر المخلوقات في العبادات ، وإخلاص المحسنين عبادة الحق تعالى من غير طلب الجزاء في الدارين ، فعبادتهم اللّه تعالى لكونه أمرهم بعبادته ، فنسبة الصالحين ومن دونهم من المحسنين نسبة الأجير إلى العبد الرقّ الذي لا يطلب أجره في عمله . وإخلاص الشهداء إفراد الحق تعالى بالوجود ، وإخلاص المحققين الصديقين عدم الاحتياج في معرفة الذات إلى شيء من الأسماء والصفات وإخلاص المقرّبين تحقيق التبري من بقايا التلوين تحت ظهور آثار التمكين ، وذلك هو عين حقيقة السحق والمحق وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ . وأما الشهادة فإنها نوعان : شهادة كبرى ، وشهادة صغرى . فالشهادة الصغرى على أقسام ، وقد ورد الحديث بها كمن مات غريبا أو غريقا أو مبطونا وأمثال ذلك ، وأعلى مقامات الشهادة الصغرى القتل في سبيل اللّه بين الصفين في الغزو ، والشهادة