عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

273

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

وأما الإنابة فاشتراطها في مقام الإحسان ، لأنه ما لم يرجع عن النقائص هيبة من اللّه تعالى وينب إلى اللّه تعالى لم تصح له المراقبة ، فإنابة المحسنين ومن تحتهم من الصالحين والمؤمنين والمسلمين إنما هي من جميع ما نهى اللّه عنه إلى الوقوف مع أوامره تعالى وحفظ حدوده ، وإنابة الشهداء رجوعهم عن إرادة نفوسهم إلى مراد الحق تعالى ، فهم تاركون لإرادتهم مريدون لما أراد الحق تعالى ، وإنابة الصديقين رجوعهم من الحق إلى الحق ، وإنابة المقرّبين رجوعهم من الأسماء والصفات إلى الذات ، وهذا مقام يشكل على الصديقين تحققه ، فكل منهم يزعم أنه مع الذات وليس الأمر كذلك ، فإنهم مع الأسماء والصفات ، لأن سكرتهم بخمر الواحدية أخذتهم عن تعقل ذلك . وإن قلت إنهم مع الذات فقيد وقل بواسطة الأسماء والصفات ، بخلاف المحققين فإنهم مع الذات من غير تقييد بل بالذات في الذات مع الذات ، والمحققون هم أهل مقام القربة ، وسيأتي بيانها إن شاء اللّه تعالى . وأما الزهد . فاشتراطه في مقام الإحسان ، فلأن من شرط المراقب للّه تعالى أن لا يلتفت إلى الدنيا ، ألا ترى إلى العبد إذا كان حاضرا بين يدي سيده عالما بأن سيده يطلب منه الخدمة كيف يزهد في مصالح نفسه فيشتغل بما يأمره به السيد ، فزهد المحسنين ومن تحتهم من الصالحين والمؤمنين والمسلمين إنما هو في الدنيا وفي لذاتها ، وزهد الشهداء في الدنيا والآخرة جميعها ، وزهد الصديقين في سائر المخلوقات فلا يشهدون إلا الحق تعالى وأسماءه وصفاته ، وزهد المقرّبين في البقاء مع الأسماء والصفات فهم في حقيقة الذات . وأما التوكل ، فاشتراطه في مقام الإحسان ، فلأن من شرط من يرى أن اللّه تعالى يراه أن يصرف أموره إليه لأنه أدرى بمصالحه ، فلا يتعب نفسه فيما لا يفيد منه شيء ؛ وشرط التوكل أن يتوكل العبد ليفعل السيد به ما يشاء ، وهذا معنى قوله : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ « 1 » يعني توكلوا إن كنتم مؤمنين بأنه لا يفعل إلا ما يريد ، فكلوا أموركم إليه ولا تعترضوا عليه ، وليس هذا للصالحين ، فإن الصالح ومن دونه يتوكل على اللّه لكن ليفعل اللّه له مصالحه ، وهذا معنى قوله تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ « 2 » والأول أعني من يتوكل

--> ( 1 ) آية ( 23 ) سورة المائدة . ( 2 ) آية ( 3 ) سورة الطلاق .