عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
270
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
الإنساني ، إذ لا نهاية للّه تعالى ، ثم طواف الوداع إشارة إلى الهداية إلى اللّه تعالى بطريق الحال ، لأنه إبداع سرّ اللّه تعالى في مستحقه ، فأسرار اللّه تعالى وديعة عند الوليّ لمن يستحقها لقوله تعالى : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ « 1 » ، وهنا أسرار كثيرة في ذكر الأدعية المتلوّة في جميع تلك المناسك ، وتحت كل دعاء سرّ من أسرار اللّه تعالى أضربنا عن ذكرها قصدا للاختصار ، واللّه أعلم . وأما الإيمان ، فهو أول مدارج الكشف عن عالم الغيب ، وهو المركب الذي يصعد براكبه إلى المقامات العلية والحضرات السنية ، فهو عبارة عن تواطؤ القلب على ما بعد عن العقل دركه ، فكل ما علم بالعقل لا يكون تواطؤ القلب على ذلك إيمانا ، بل هو علم نظري مستفاد بدلائل المشهود ، فليس هو بإيمان لأن الإيمان يشترط فيه قبول القلب للشيء بغير دليل ، بل تصديق محض ، ولهذا نقص نور العقل عن نور الإيمان ، لأن طائر العقل يطير بأجنحة الحكمة وهي الدلائل ، ولا توجد الدلائل إلا في الأشياء الظاهرة الأثر وأما الأشياء الباطنة فلا يوجد لها دليل البتة ، وطير الإيمان يطير بأجنحة القدرة ولا وقوف له عن أوج دون أوج ، بل يسرح في جميع العوالم ؛ لأن القدرة محيطة بجميع ذلك . فأول ما يفيد الإيمان صاحبه أن يرى ببصيرته حقائق ما أخبر به ، فهذه الرؤية إنما كشفت بنور الإيمان ، ثم لا يزال يرقى بصاحبه إلى حقيقة التحقيق بما آمن به ، قال اللّه تعالى : ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ، أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ « 2 » فلم يكن الريب منتفيا عن الكتاب إلا للمؤمنين ، لأنهم آمنوا به ولم يتوقفوا للنظر إلى الدليل ، ولم يتقيدوا بما قيدهم العقل ، بل قبلوا ما ألقى إليهم ، فقطعوا بوقوعه من غير ريب ، فمن توقف إيمانه بالنظر إلى الدلائل والتقييد بالعقل فقد ارتاب بالكتاب ، وما أسس علم الكلام إلا لأجل مدافعة الملاحدة وغيرهم من أهل البدع ، لا لأجل وقوع الإيمان في القلوب ، فالإيمان نور من أنوار اللّه تعالى يرى به العبد ما تقدم وما تأخر ، ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه تعالى » « 3 » ولم يقل :
--> ( 1 ) آية ( 6 ) سورة النساء . ( 2 ) آية ( 1 : 5 ) سورة البقرة . ( 3 ) الترمذي ( 3127 ) وقال : غريب ، وضعيف الجامع ( 127 ) وقال : ضعيف ، والضعيفة ( 1821 ) .