عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
271
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
اتقوا فراسة المسلم ولا العاقل ولا غيره ، بل قيد بالمؤمن . ثم اعلم أن هذه الآية لها معان كثيرة لسنا بصدد ذكرها ولكنا بينا ما أشار إليه الألف واللام والميم والكاف والكتاب وغيره ، وأرجو أن يؤذن لي أن أكتب للقرآن تفسيرا يكون فيه بيان ما أوضح اللّه فيه من الأسرار المستغربة عن العقول فيحصل به تمام الوعد الإلهي لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم بقوله : ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ « 1 » ولا بد من ذلك الكتاب ، فأرجو أن أكون أنا المشرف بهذه الخدمة لكتاب اللّه تعالى ، فقوله في الآية : ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أشار بذلك إلى حقيقة ألف لام ميم ، وذلك من طريق الإجمال إشارة إلى الذات والأسماء والصفات ذلِكَ الْكِتابُ والكتاب هو الإنسان الكامل ، فألف لام ميم بما أشار إليه هو حقيقة الإنسان لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الذين هم وقاية عن الحق والحق وقاية عنهم ، فإن دعوت الحق كنيت به عنهم ، وإن دعوتهم فقد كنيت بهم عنه الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ والغيب هو اللّه لأنه غيبهم آمنوا به أنه هويتهم وأنهم عينه وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ يعني يقيمون بناموس المرتبة الإلهية في وجودهم بالاتصاف بحقيقة الأسماء والصفات مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ يعني يتصرفون في الوجود من تمرة ما أنتجته هذه الأحدية الإلهية في ذواتهم ، فكأنهم رزقوا ذلك بواسطة ملاحظة الأحدية الإلهية فيهم ، فهؤلاء السابقون المفردون المشار إليهم بقوله عليه الصلاة والسلام لأصحابه : « سيروا سبق المفردون » « 2 » واللاحقون هم الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالغيب يعني بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يا محمد مطلقا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ، أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فهؤلاء هم المؤمنون بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر ، والقدر خيره ، وشرّه من اللّه تعالى ، وأولئك هم المؤمنون باللّه فهم يطلعون على حقيقة الملائكة والكتب وعلى إرسال الحق للرسل ، ويرون اليوم الآخر ويشاهدون القدر خيره وشرّه من اللّه تعالى ، فليسوا بمؤمنين بجميع ذلك ، بل عالمون علما ومعرفة عيانية شهودية ، فهم مؤمنون باللّه وحده ، لأن علمهم بما دونه علم شهودي فلا يكون إيمانا ، لأن من شرط الإيمان أن يكون معلومه غيبا لا شهادة ، وليس عندهم غيب إلا كنه الذات الإلهية ، فهم وإن كانوا من اللّه على شهود
--> ( 1 ) آية ( 19 ) سورة القيامة . ( 2 ) كنز العمال ( 3933 ) ، والإتحاف 7 / 253 و 254 .