عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
268
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
صلّى اللّه عليه وسلم وبتأدبه لسائر عباد اللّه الصالحين ، وهنا أسرار كثيرة قصدنا فيها الاختصار . وأما الزكاة . فعبارة عن التزكي بإيثار الحق على الخلق ، أعني يؤثر شهود الحق في الوجود على شهود الخلق ، فإذا أراد أن يشهد نفسه يؤثر الحق فيشهده سبحانه ، وإذا أراد أن يتصف بصفات نفسه يؤثر الحق فيتصف بصفاته ، وإذا أراد أن يعلم ذاته فيجد الإنية يؤثر الحق فيعلم ذاته سبحانه وتعالى فيجد الهوية ، فهذه إشارة الزكاة . وأما كونه واحدا في كل أربعين في العين فلأن الوجود له أربعون مرتبة ، والمطلوب المرتبة الإلهية ، فهي المرتبة العليا وهي واحدة من أربعين ، وقد ذكرنا جميعها في كتابنا المسمى ب [ الكهف والرقيم في شرح بسم اللّه الرحمن الرحيم ] فلينظر هناك . وأما الصوم فإشارة إلى الامتناع عن استعمال المقتضيات البشرية ليتصف بصفات الصمدية ، فعلى قدر ما يمتنع أي يصوم عن مقتضيات البشرية تظهر آثار الحق فيه ، وكونه شهرا كاملا إشارة إلى الاحتياج إلى ذلك في مدة الحياة الدنيا جميعها ، فلا يقول إني وصلت فلا أحتاج إلى ترك مقتضيات البشرية ، وأن الممحوق ليس للبشريات إليه سبيل ، فإن من فعل ذلك فهو مخدوع ممكور به ، فينبغي للعبد أن يلزم الصوم وهو ترك المقتضيات البشرية ما دام في دار الدنيا ليفوز بالتمكين من حقائق الذات الإلهية ، وهنا أبحاث كثيرة في نية الصوم والفطر والسحور والتراويح وغير ذلك مما اختصّ به رمضان فلنكتف بما مضى . وأما الحج فإشارة إلى استمرار القصد في طلب اللّه تعالى . والإحرام إشارة إلى ترك شهود المخلوقات ، ثم ترك المخيط إشارة إلى تجرّده عن صفاته المذمومة بالصفات المحمودة ، ثم ترك حلق الرأس إشارة إلى ترك الرياسة البشرية ، ثم ترك تقليم الأظافر إشارة إلى شهود فعل اللّه في الأفعال الصادرة منه ، ثم ترك الطيب إشارة إلى التجرّد عن الأسماء والصفات لتحققه بحقيقة الذات ، ثم ترك النكاح إشارة إلى التعفف عن التصرّف في الوجود ، ثم ترك الكحل إشارة إلى الكفّ عن طلب الكشف بالاسترسال في هوية الأحدية ، ثم الميقات عبارة عن القلب ، ثم مكة عبارة عن المرتبة الإلهية ، ثم الكعبة عبارة عن الذات ، ثم الحجر الأسود عبارة عن اللطيفة الإنسانية ، واسوداده عبارة تلونه بالمقتضيات الطبيعية ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام : « نزل الحجر الأسود أشد بياضا من اللبن فسوّدته خطايا بني آدم » « 1 » فهذا الحديث عبارة عن
--> ( 1 ) الترمذي في : الحج ( 877 ) وقال : حسن صحيح ، وابن خزيمة ( 2733 ) ، والإتحاف 4 / 344 ، والمشكاة ( 2577 ) .