عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
254
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
وليا قبل نزوله إلى الدنيا ، فلما نزل إلى الدنيا آتاه اللّه تعالى النبوّة ، لأن النبوّة تشريع وتكليف ، والدنيا دار التكليف ، بخلاف الجنة ، فإنه كان بها وليا ، لأنها دار الكرامة والمشاهدة ، وذلك هو الولاية ، ثم لم يزل أبونا آدم وليا في نفسه إلى أن ظهرت ذرّيته ، فأرسل إليهم ، وكان يعلمهم ما أمره اللّه تعالى به ، وكانت له صحف أنزلها اللّه عليه ، فمن تعلم من أولاده قراءة تلك الصحف آمن بالضرورة لما فيها من البيان الذي لا يمكن أن يردّه متأمل ، فهؤلاء الذين اتبعوه من ذريته ، ومن اشتغل بلذّاته عن تعلم قراءة تلك الصحف ، واتبع هواه ، آلت به ظلمة الغفلة إلى الغرور بالدنيا ، ثم آل به ذلك إلى الإنكار وعدم الإيمان بما في الصحف مما أنزله اللّه على آدم عليه السلام ، وهؤلاء هم الكفار ، ثم لما توفي آدم عليه السلام افترقت ذرّيته ، فذهبت طائفة ممن كان يؤمن بقرب آدم عليه السلام من اللّه تعالى إلى أن يصوّر شخصا من حجر على صفة آدم ، ليحفظ حرمته بالخدمة له ، وليقيم ناموس المحبة بمشاهدة شخصه على الدوام ، لعلّ ذلك يكون مقرّبا له إلى اللّه تعالى ، لأنه يعلم أن خدمة آدم في حال حياته كان مقرّبا له إلى اللّه تعالى ، فظنّ أنه لو خدم شخص آدم كان كذلك ، ثم تبعتها طائفة من بعدها ، فضلوا في الخدمة فعبدوا الصورة نفسها ، فهؤلاء هم عبدة الأوثان . ثم ذهبت طائفة أخرى إلى القياس بعقولهم ، فزيفوا عبدة الأوثان وقالوا : الأولى أن نعبد الطبائع الأربعة ، لأنها أصل الوجود ، إذ العالم مركب من حرارة وبرودة ويبوسة ورطوبة ، فعبادة الأصل أولى من عبادة الفرع ، لأن الأوثان فرع العابد ، لأنها تحتها فهو أصلها فعبدوا الطبائع ، وهؤلاء هم الطبيعيون ، ثم ذهبت طائفة إلى عبادة الكواكب السبعة ، فقالوا : إن الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة ليس شيء منها في نفسه له حركة اختيارية فلا فائدة في عبادتها ، والأولى عبادة الكواكب السبعة وهي : زحل ، والمشتري ، والمريخ ، والشمس ، والزهرة ، وعطارد ، والقمر ، لأن كل واحد من هؤلاء مستقلّ بنفسه سائر في فلكه ، يتحرك بحركة مؤثرة في الوجود تارة نفعا وتارة ضرّا فالأولى عبادة من له التصرّف ، فعبدوا الكواكب وهؤلاء هم الفلاسفة . وذهبت طائفة إلى عبادة النور والظلمة لأنهم قالوا : إن اختصاص الأنوار بالعبادة تضييع للجانب الثاني ، لأن الوجود منحصر من نور وظلمة فالعبادة تضييع لهؤلاء أولى ، فعبدوا النور المطلق حيث كان من غير اختصاص بنجم أو غيره ، وعبدوا الظلمة المطلقة المتجلية حيث كانت ، فسموا النور يزدان ، وسموا الظلمة أهرمن ، وهؤلاء هم الثانوية . ثم ذهبت طائفة إلى عبادة النار لأنهم قالوا : إن مبني الحياة على الحرارة الغريزية وهي معنى ، وصورتها الوجودية هي النار ، فهي