عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

255

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

أصل الوجود وحده ، فعبدوا النار وهؤلاء هم المجوس . ثم ذهبت طائفة إلى ترك العبادة رأسا زعما بأنها لا تفيد ، وإنما الدهر بما يقتضيه مجبول من حيث الفطرة الإلهية على ما هو الواقع ، فما ثم إلا أرحام تدفع وأرض تبلع ، وهؤلاء هم الدهريون ويسمون بالملاحدة أيضا ثم إن أهل الكتاب متفرّقون فبراهمة وهؤلاء يزعمون أنهم على دين إبراهيم وأنهم من ذريته ولهم عبادة مخصوصة ، ويهود وهؤلاء الموسويون ، ونصارى وهؤلاء العيسويون ، ومسلمون وهم المحمديون ، فهؤلاء عشر ملل ، وهم أصول الملل المختلفة ، وهي لا تتناهى لكثرتها ، ومدار الجميع على هذه العشر الملل ، وهم الكفار والطبائعية والفلاسفة والثانوية والمجوس والبراهمة والدهرية واليهود والنصارى والمسلمون ، وما ثم طائفة من هذه الطوائف إلا وقد خلق اللّه منها ناسا للجنة وناسا للنار ، ألا ترى أن الكفار في الزمن المتقدم من النواحي التي لم تصل إليها دعوة رسل ذلك الوقت منقسمون على عامل خير جزاه اللّه بالجنة ، وعامل شر جزاه اللّه بالنار ؟ وكذلك أهل الكتاب ، فالخير قبل نزول الشرائع ما قبلته القلوب وأحبته النفوس واشتبشرت به الأرواح ، وبعد نزول الشرائع ما تعبد اللّه به عباده ، والشرّ قبل نزول الشرائع ما قبلته القلوب وكرهته النفوس وتألمت به الأرواح ، وبعد نزول الشرائع ما نهى اللّه عنه عباده . فكل هذه الطوائف عابدون للّه تعالى كما ينبغي أن يعبد ، لأنه خلقهم لنفسه لا لهم ، فهم له كما يستحق . ثم إنه سبحانه وتعالى أظهر في هذه الملل حقائق أسمائه وصفاته فتجلى في جميعها بذاته فعبدته جميع الطوائف . فأما الكفار فإنهم عبدوه بالذات ، لأنه لما كان الحق سبحانه وتعالى حقيقة الوجود بأسره والكفار من جملة الوجود هو حقيقتهم فكفروا أن يكون لهم ربّ لأنه تعالى حقيقتهم ولا رب له بل هو الرب المطلق ، فعبدوه من حيث ما تقتضيه ذواتهم التي هو عينها ، ثم من عبد منهم الوثن فلسرّ وجوده سبحانه بكماله بلا حلول ولا مزج في كل فرد من أفراد ذرّات الوجود ، فكان تعالى حقيقة تلك الأوثان التي يعبدونها ، فما عبدوا إلا اللّه ، ولم يفتقر في ذلك إلى علمهم ولا يحتاج إلى نياتهم ، لأن الحقائق ولو طال إخفاؤها لا بد لها أن تظهر على ساق مما هو الأمر عليه ، وذلك سرّ اتباعهم للحق في أنفسهم ، لأن قلوبهم شهدت لهم بأن الخير في ذلك الأمر ، فانعقدت عقائدهم على حقيقة ذلك وهو عند ظن عبده به ، وقال عليه الصلاة والسلام : « استفت قلبك ولو أفتوك المفتون » « 1 » هذا على تأويل عموم القلب . وأما

--> ( 1 ) الإتحاف 1 / 160 ، والحلية 9 / 44 ، والتاريخ الكبير 1 / 145 .