عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
250
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
وَما تَحْتَ الثَّرى « 1 » ومجمع البحرين هذا هو الذي اجتمع فيه موسى عليه السلام بالخضر على شطه ، لأن اللّه تعالى كان قد وعده بأن يجتمع بعبد من عباده على مجمع البحرين ، فلما ذهب موسى وفتاه حاملا لغدائه ووصلا إلى مجمع البحرين لم يعرفه موسى عليه السلام إلا بالحوت الذي نسيه الفتى على الصخرة وكان البحر مدا فلما جزر بلغ الماء إلى الصخرة فصارت حقيقة الحياة في الحوت ، فاتخذ سبيله في البحر سربا ، فعجب موسى من حياة حوت ميت قد طبخ على النار ، وهذا الفتى اسمه يوشع بن نون ، وهو أكبر من موسى عليه السلام في السن بسنة شمسية وقصتهما مشهورة ، وقد فصلت ذلك في رسالتنا الموسومة ب [ مسامرة الحبيب ومسايرة الصحيب ] فليتأمل فيه ، سافر الإسكندر ليشرب من هذا الماء اعتمادا على كلام أفلاطون أن من شرب من ماء الحياة فإنه لا يموت ، لأن أفلاطون كان قد بلغ هذا المحل وشرب من هذا البحر فهو باق إلى يومنا هذا في جبل يسمى دراوند ، وكان أرسطو تلميذ أفلاطون وهو أستاذ الإسكندر صحب الإسكندر في مسيره إلى مجمع البحرين ، فلما وصل إلى أرض الظلمات ساروا وتبعهم نفر من العسكر وأقام الباقون بمدينة تسمى ثبت برفع الثاء المثلثة والباء الموحدة وإسكان التاء المثناة من فوق وهو حد ما تطلع الشمس عليه ، وكان في جملة من صحب الإسكندر من عسكره الخضر عليه السلام ، فساروا مدة لا يعلمون عددها ولا يدركون أمدها وهم على ساحل البحر ، وكلما نزلوا منزلا شربوا من الماء ؛ فلما ملوا من طول السفر أخذوا في الرجوع إلى حيث أقام المعسكر ، وقد كانوا مروا بمجمع البحرين على طريقهم من غير أن يشعروا به ، فما أقاموا عنده ولا نزلوا به لعدم العلامة ، وكان الخضر عليه السلام قد ألهم بأن أخذ طيرا فذبحه وربطه على ساقه ، فكان يمشي ورجله في الماء ، فلما بلغ هذا المحل انتعش الطير واضطرب عليه ، فأقام عنده وشرب من ذلك الماء واغتسل منه وسبح فيه ، فكتمه عن الإسكندر وكتم أمره إلى أن خرج ؛ فلما نظر أرسطو إلى الخضر عليه السلام علم أنه قد قال من دونهم بذلك ، فلزم خدمته إلى أن مات ، واستفاد من الخضر هو والإسكندر علوما جمة . اعلم أن عين الحياة مظهر الحقيقة الذاتية من هذا الوجود فافهم هذه الإشارات وفك رموز هذه العبارات ولا تطلب الأمر إلا من عينك بعد خروجك من إنيتك ، لعلك تفوز بدرجة أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ « 2 » ويسمح لك الوقت بأن تصير من
--> ( 1 ) آية ( 6 ) سورة طه . ( 2 ) آية ( 169 ) سورة آل عمران .