عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
251
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
حزبهم فتكون المراد بموسى وخضره ، وبالإسكندر والظلمات ونهره . واعلم أن الخضر عليه السلام قد مضى ذكره فيما تقدم ، خلقه اللّه تعالى من حقيقة وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي « 1 » فهو روح اللّه ، فلهذا عاش إلى يوم القيامة ، اجتمعت به وسألته ، ومنه أروى جميع ما في هذا البحر المحيط . واعلم أن هذا البحر المحيط المذكور ، وما كان منه منفصلا عن جبل « ق » مما يلي الدنيا فهو مالح وهو البحر المذكور ، وما كان منه متصلا بالجبل فهو وراء المالح ، فإنه البحر الأحمر الطيب الرائحة ، وما كان من وراء جبل « ق » متصلا بالجبل الأسود فإنه البحر الأخضر ، وهو مرّ الطعم كالسمّ القاتل ، ومن شرب منه قطرة هلك ، وفنى لوقته ؛ وما كان منه وراء الجبل بحكم الانفصال والحيطة والشمول بجميع الموجودات فهو البحر الأسود الذي لا يعلم له طعم ولا ريح ، ولا يبلغه أحد ، بل وقع به الإخبار ، فعلم وانقطع عن الآثار فكتم ، وأما البحر الأحمر الذي نشره كالمسك الأذفر فإنه يعرف بالبحر الأسمى ذي الموج الأنمى ، رأيت على ساحل هذا البحر رجالا مؤمنين ، ليس لهم عبادة إلا تقريب الخلق إلى الحقّ ، قد جبلوا على ذلك ، فمن عاشرهم أو صاحبهم عرف اللّه بقدر معاشرتهم ، وتقرّب إلى اللّه بقدر مسايرتهم ، وجوههم كالشمس الطالع والبرق اللامع ، يستضيء بهم الحائر في تيهات القفار ، ويهتدي بهم التائه في غيابات البحار ، إذا أرادوا السفر في هذا البحر نصبوا شركا لحيتانه ، فإذا اصطادوها ركبوا عليها ، لأن مراكب هذا البحر حيتانه ، ومكتسبه لؤلؤه ومرجانه ، ولكنهم عند أن يستووا على ظهر هذا الحوت ينتعشون بطيب رائحة البحر فيغمى عليهم ، فلا يفيقون إلى أنفسهم ، ولا يرجعون إلى محسوسهم ما داموا راكبين في هذا البحر ، فتسير بهم الحيتان إلى أن يأخذوا حدّها من الساحل ، فتقذف بهم في منزل من تلك المنازل ، فإذا وصلوا إلى البرّ وخرجوا من ذلك البحر ، رجعت إليهم عقولهم ، وبان لهم محصولهم ، فيظفرون بعجائب وغرائب لا تحصر ، أقلّ ما يعبر عنها : ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . واعلم أن أمواج هذا البحر كل موجة منها تملأ ما بين السماء والأرض ألف ألف مرّة إلى ما لا ينتهي ، ولولا أن عالم القدرة يسع هذا البحر لما كان يوجد في الوجود بأسره ، وكل اللّه الملائكة الكروبيين بحفظ هذا البحر ، فهم واقفون على
--> ( 1 ) آية ( 72 ) سورة ( ص ) .