عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

249

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

والعمار . وأما البحر المالح فهو المحيط العام والدائر التام ، ذو اللون الأزرق والغور الأعمق ، يموت عطشا من شرب من مائه ويهلك فناء ، هبت رياح الأزل في مغاربه فتصادمت الأمواج في جوانبه ، فلا يسلم فيه السابح ولا يهتدي فيه الغادي والرائح ، إلا إذا أيدته أيادي التوفيق ، فعادت سفينته شرعا في ذلك البحر العميق ، مراكبه لا تسير إلا في الأسحار وأرياحه لا تهب إلا جملة من اليمين واليسار ، سفينته من ألواح الناموس معمورة وبمسامير القاموس مسمورة ، ضلت الأفكار في طريقه وحارت الألباب في عميقه ، مراكبه كثيرة العطب سريعة الهلاك والنصب ، لا يسلم فيه إلا الآحاد ولا ينجو من مهالكه إلا الأفراد ، قروش هذا البحر تبتلع المراكب والراكب وتستهلك المقيم والذاهب ، يجد المسافر فيه على كل مسلك ألف ألف مهلك ، ينبههم الحرام فيه بالحلال ويختلط المنشأ فيه بالمآل ، ليس لقعره انتهاء ولا لآخره ابتداء ، لا يقدر على الخوض فيه إلا أهل العزائم الوافية ولا يتناول من درّه إلا أهل الهمم العالية ، أمره مبني على حقيقة المحصول متأسس عليه الفروع والأصول ، أمواجه متلاطمة ودفقاته متصادمة وأهواله متعاظمة وسحائب غيثه متراكمة ، ليس لأهله دليل غير الكواكب الزاهرات ولا مرسى لمراكبه غير التيه في الظلمات ، حيتانه على هيئة سائر المخلوقات وهوامه بأنواع السموم نافثات ، خلق اللّه تعالى حشرات هذا البحر من نور اسمه القادر وجعلها حقيقة حكمة الأمر الظاهر ، يستخرج الغواص من هذا البحر إذا سلم من مده والجزر ، يتيمات الدرر في أصداف الخفر ، جعل اللّه سكانه من الملأ الأعلى طائفة لهم اليد الطولى ووكل بحفظهم ملائكة الإيحاء . اعلم أنه لما نظر اللّه تعالى في القدم إلى الياقوتة الموجودة في العدم ، كان لهذا البحر نور ذلك الياقوت وبهجته ، وكان العذب من جداوله وصورته وهيئته ، فلما صارت الياقوتة ماء صار البحران ظلمة وضياء ، فلما مرج البحرين يلتقيان جعل اللّه بينهما ماء الحياة برزخا لا يبغيان ، وهذا الماء في مجمع البحرين وملتقى الحكمين والأمرين ، وهو عين يتبع جاريا في جانب المغرب عند البلد المسمى بالأزل المغرب ، فمن خاصية هذا البحر المعين الذي خلقه اللّه في مجمع البحرين أن من شرب منه لا يموت ومن سبح فيه أكل من كبد البهموت ، والبهموت حوت في البحر المالح هذا المذكور أولا ، جعله اللّه الحامل للدنيا وما فيها ، فإن اللّه تعالى لما بسط الأرض جعلها على قرني ثور يسمى البرهوت وجعل الثور على ظهر حوت في هذا البحر يسمى البهموت ، وهو الذي أشار إليه الحق تعالى بقوله :