عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

248

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

الممزوج ذو الدرّ الممزوج ، فافهم هذه الإشارات واعرف هذه العبارات ، فليس الأمر على ظاهره واللّه محيط بأول الأمر وآخره ، وأما البحر النتن فهو الصعب المسالك القريب المهالك ، هو طرق السالكين ومنهج السائرين ، يروم المرور كل أحد عليه ولا يصل إلا العباد إليه ، لونه أشهب وكونه أغرب ، أمواجه بأنواع البر طافحة وأرياحه بأنصاف الفضائل غادية ورائحة ، حيتانه كالبغال والجمال تحمل الكلّ وأعباء الأثقال إلى بلد الدرّ الأنفس ولم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ، لكنهم صعاب الانقياد لا يصادون إلا بالجد والاجتهاد ، لا يعبر مراكبهم الباهرة إلا أهل العزائم القاهرة ، تهب رياحها من جانب الشرق الواضح فتسير بأفلاكها إلى ساحل البحر الناجح ، أهلها صادقون في الأفعال مؤمنون في الأقوال والأحوال ، سكانها العباد والصالحون والزهاد ، يستخرج من هذا البحر درّ البقاء ومراجين النقاء ، يتحلى بها من تطهر وتزكى وتخلق وتحقق وتجلى ، قد وكل اللّه ملائكة العذاب بحفظ هذا البحر العجاب . دور محيط هذا البحر مسيرة خمسة آلاف سنة ، وقد أخذ سردا في العرض غير ممتد في الأرض وأما البحر الممزوج ذو الدرّ الممزوج ، لونه أصفر أمواجه معقودة كالصخر الأحمر ، لا يقدر كل على شربه ولا يطيق كل أحد أن يسير فيه سربه ، هو بحر ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد ، صعب المسلك كثير العطب والمهلك ، لا يسلم فيه إلا آحاد المؤمنين ولا يحكم أمره إلا أفراد المعتقدين ، وكل من ركب في فلكه من الكفار فإنه يؤول به إلى الغرق والانكسار ، وأكثر مراكب المسلمين تتبعها قروش هذا البحر المعين ، لا يعمر مراكبه إلا أهل العقول الوافية المؤيدة بالنقول الشافية ، وأما من سواهم فإنه يستكثر الغرامة ويطلب الفائدة في الإقامة ، حيتان هذا البحر كثيرة العلل عظيمة الحيل ، لا تصاد إلا بشباك الإبريسم بقينا ولا يتولى ذلك إلا رجال كانوا مؤمنين ، يستخرج منه لؤلؤ لاهوتي المحتد ومرجان ناسوتي المشهد ، وفوائد هذا البحر لا يحصى عددها ولا يعرف أمدها ، وعطبه شديد الخسران مؤثر في الأبدان والأديان ، سكان هذا البحر أهل الصديقية الصغرى ، والحاملون لغذاء أهل الصديقية الكبرى ، رأيت سكان هذا البحر سليمي الاعتقاد سالمين بحسن الظن من فتن الانقياد ، قد وكل اللّه ملائكة التسخير بحفظ هذا البحر الغزير ، هم أهل إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد ، وهذا البحر يضرب موجه على ساحل هذه البلدة القريبة وينتفع أهلها بحيتانه العجيبة ، قطر محيط هذا البحر مسيرة سبعة آلاف سنة ، وقد يقطعها المسافر في مثل السنة ، متفرّعة في طول الدار غامرة الجواب منها