عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
247
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
العذاب من جدول مما يلي جانب المغرب ، فقرب من البحر المالح المحيط فامتزج طعمه فصار ممتزجا وهو بحر على حدته ، وأما البحر المالح فخرجت منه ثلاث جداول : جدول أقام وسط الأرض فبقي على طعمه الأول مالحا ولم يتغير فهو بحر على حدته ، وجدول ذهب إلى اليمين ، وهو الجانب الجنوبي ، فغلب عليه طعم الأرض التي امتدّ إليها ، فصار حامضا ، وهو بحر على حدته ، وجدول ذهب إلى الشام ، وهو الجانب الشمالي فغلب عليه طعم الأرض التي امتد فيها فصار مرّا زعافا وهو بحر على حدته ، وأحاط بجبل قاف والأرض جميعها بما فيها لم يعرف له طعم يختص به ولكنه طيب الرائحة ، لا يكاد من شمه أن يبقى على حالته بل يهلك من طيب رائحته ، وهذا هو البحر المحيط الذي لا يسمع له غطيط ، فافهم هذه الإشارات واعرف ما تضمنته هذه العبارات . وها أنا أفصل لك هذا الإجمال وأودعه من أسرار اللّه غريب الأقوال : أما البحر العذب فهو طيب المشرب وسهل المركب منتقل الخاص والعام ومتعلق الأفكار والأفهام ، يغترف منه القريب والبعيد ، ويقترف منه الضعيف والشديد ، به يستقيم قسطاس الأبدان ويقوم في الحكم ناموس الأبدان ، أبيض اللون شفاف الكون ، يسرع في منافذه الطفل والمحتلم ، ويرتع في موائده الطالب والمغتنم ، حيتانه سهلة الانقياد قريبة الاصطياد ، خلقت من نور تعظيم الاحترام ، الحلال فيه بين من الحرام ، وبها ارتبط الحكم الظاهر ، وبها أصلح أمر الأول والآخر ، كثيرة السفر قليلة الخطر ، قل أن تنعطب مراكبها أو يغرق من موجها راكبها ، هي سبيل الهارب إلى نجاته وطريق الطالب إلى أمنياته ، يستخرج منها لآلىء الإشارات من أصداف العبارات ، ويظهر منها مرجانة الحكم في شباك الكلام ، مراكبها منقولة ومراسيها معلومة لا مجهولة ، قريبة القعر بعيدة الغور ، سكانها أهل الملل المختلفة والنحل المؤتلفة ، رؤساؤها المسلمون وحكامها الفقهاء العاملون قد وكل اللّه ملائكة النعيم بحفظها ، وجعلهم أهل بسطها وقبضها ، ولها أربعة فروع مشتهرة وأربعون ألف فرع مندثرة ، فالفروع المشتهرة الفرات والنيل وسيحون وجيحون ، والمندثرة فأكثرها بأرض الهند والتركمان وفي الحبشة منها فرعان ، دورة محيط هذه الأبحر مسيرة أربع وعشرين سنة وهي متشعبة في أقطار الأرض ومتفرّعة في طولها والعرض ، يتشعب منها فرعان الأول بإرم ذات العماد ، والآخر بنعمان ، فأما الذي أخذ في العرض وبين من ملابسة الأرض ، فهو العامر للديار والأعمال والظاهر بين أيدي السفرة والعمال . وأما الذي أخذ في طول الالتحاد وسكن إرم ذات العماد ، فهو البحر