عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
246
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
خلقت من سفليات الطبيعة يسكنها الحيات والعفاريت وبعض زبانية جهنم ، دورة كرة هذه الأرض مسيرة سبعين ألف سنة وأربعمائة سنة واثنتين وأربعين سنة وأربعة أشهر ، وحياتها وعقاربها كأمثال الجبال وأعناق البخت ، وهي ملحقة بجهنم نعوذ باللّه منها ، أسكن اللّه هذه الأشياء في هذه الأرض لتكون أنموذجا في الدنيا لما في جهنم من عذابه ، كما أسكن طائفة مثل سكان الجنة على الفلك المكوكب ليكون أنموذجا في الدنيا لما في الجنة من نعيمه ، ونظير ذلك في مخيلة الإنسان ، وما في الجانب الأيسر منها من الصور الممثلة هو نسخة هذه الأرض ، وما في الجانب الأيمن منها هو نسخة ما في الفلك الأطلس من الحور وأمثاله ، كل ذلك لتقوم حجته على خلقه ، لأنه تعالى لو لم يجعل في هذه الدار شيئا من الجنة والنار لكانت العقول لا تهتدي إلى معرفتها لعدم المناسب فلا يلزمها الإيمان بها ، فجعل الحق تعالى في هذه الدار هذه الأشياء من الجنة والنار لتكون مرقاة للعقول إلى معرفة ما أخبر به الحق تعالى به من نعيم الجنة وعذاب النار ، فافهم ما أشرنا إليه ولا تقف مع ظاهر اللفظ ، ولا تنحصر بباطن معناه ، بل تحقق بما أشار باطنه إليه وتيقن بما ذلك ظاهره عليه ، فإن لكل ظاهر باطنا ، ولكل حق حقيقة ، والرجل من استمع القول فاتبع أحسنه ، جعلنا اللّه وإياكم ممن تذكروا فإذا هم مبصرون . ثم اعلم أن أطباق الأرض إذا أخذت في الانتهاء دار الدور عليها في الصعود ، كما أن أهل النار إذا استوفوا ما كتب عليهم وخرجوا لا يخرجون إلا إلى مثل ما ينتهي إليه حال أهل الجنة من كريم المشاهدة والتحقق بتحقق المطالعة إلى أنوار العظمة الإلهية ، فكما أن الماء أول فلك قبل فلك التراب ، كذلك هو أول فلك بعد فلك التراب ، ثم الهواء بعده ، ثم النار ، ثم القمر ، ثم كل فلك على الترتيب المذكور إلى فلك الأفلاك ، وإلى أن ينتهي إلى العرش المحيط . واعلم أن البحار السبعة المحيطة أصلها بحران ، لأن الحق سبحانه وتعالى لما نظر إلى الدرّة البيضاء التي صارت ماء ، فما كان مقابلا في علم اللّه تعالى لنظر الهيبة والعظمة والكبرياء ، فإنه لشدة الهيبة صار طعمه مالحا زعافا ، وما كان مقابلا في علم اللّه تعالى لنظر اللطف والرحمة صار طعمه عذبا ، وقدم اللّه ذكر العذب في قوله تعالى : هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ ، وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ لسرّ سبق الرحمة الغضب ، فلهذا كان الأصل بحرين عذب ومالح ، فبرز من العذب جدول إلى جانب المشرق منه واختلط بنبات الأرض فنبتت رائحته فصار بحرا على حدته ، ثم خرج منه أي