عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
236
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
الدائرة في الألسنة الحيوانية ، فقلت له : يا سيدي أليس هذا المودع في التلويح حللا من البيان والتصريح ، فقال : اعلم أن للحق تعالى أمانة في العباد يوصلها المتكلمون بها إلى أهل الرشاد ، قلت : كيف يكون للحق أمانة وهو أصل الوجود في الظهور والإبانة ؟ فقال : ذاك وصفه ، وهذا شأنه ، ذاك حكمه وهذه عبارته ، الأمانة يجعلها الجاهل في اللسان ويحملها العالم في السرّ والجنان ، والكل في حيرة عنه ولم يفز غير العارف بشيء منه ؛ فقلت : وكيف ذاك ؟ فقال : اعلم أيدك اللّه وحماك أن الحق تعالى جعل أسراره كدرر إشارات مودعة في أسرار عبارات ، فهي ملقاة في الطريق ، دائرة على ألسنة الفريق ، يجهل العام إشارتها ويعرف الخاص ما سكن عبارتها ، فيؤوّلها على حساب المقتضى ويئوبها إلى حيث المرتضى ، وهل تأويل الأحلام إلا رشحة من هذا البحر أو حصاة من جنادل هذا القفر ؟ فعلمت ما أشار إليه الصديق ولم أكن قبله جاهلا بهذا التحقيق ، ثم تركته وانصرفت في الرفيق الأعلى ونعم الرفيق . وأما السماء الرابعة ، فهي الجوهر الأفخر ، ذات اللون الأزهر سماء الشمس الأنور ، وهو قطب الأفلاك خلق اللّه تعالى هذه السماء من النور القلبي ، وجعل الشمس فيها بمنزلة القلب للموجود ، به عمارته ومنه نضارته ، منها تلتمس النجوم أنوارها وبها يعلو في المراتب منارها ، جعل اللّه هذا الكوكب الشمسي في هذا الفلك القلبي مظهر الألوهية ومجلى المتنوّعات أوصافه المقدسة النزيهة الزكية فالشمس أصل لسائر المخلوقات العنصرية ، كما أن الاسم ( اللّه ) لسائر المراتب العلية ، نزل إدريس عليه السلام هذا المقام النفيس لعلمه بالحقيقة القلبية ، فتميز عن غيره في الرتبة الربية ، جعل اللّه هذه السماء مهبط الأنوار ومعدن الأسرار ؛ ثم إن الملك الجليل المسمى إسرافيل هو الحاكم على ملائكة هذه السماء ، وهي روحانية الشمس ذات السناء ، لا يرفع في الوجود خفض ولا يحدث فيه بسط ولا قبض إلا بتصريف هذا الملك الذي جعله اللّه محتد هذا الفلك ، وهو أعظم الملائكة هيبة وأكبرهم وسعا وأقواهم همة ، له من سدرة المنتهى إلى ما تحت الثرى يتصرّف في جميعها ويتمكن من شريفها ووضيعها ، منصته عند الكرسي ومحتده هذا الفلك الشمسي ، وعالمه السماوات والأرض وما فيهما من عقل وحس . ثم اعلم أن اللّه تعالى جعل الفلك الشمسي مسيرة سبع عشرة ألف سنة وتسعا وعشرين سنة وستين يوما ، فيقطع جميع الفلك في مضيّ أربع وعشرين ساعة معتدلة ، ويقطع الفلك الكبير في ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم وثلاث دقائق .