عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

237

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

اعلم أن هذا المقام الذي فيه إدريس عليه السلام هو مقام من مقامات محمد صلّى اللّه عليه وسلم . ألا تراه لما بلغ ليلة إسرائه إلى السماء الرابعة ارتقى عنه إلى ما فوقه ، فبلوغه عليه الصلاة والسلام إلى المستوى الإدريسي شاهد تحقيقه في المقامات العلية بالمرتبة المربوبية ، وبجوازه عنه شاهد ما هو أعلى منه حتى برز منشور سعده بخلعة سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ « 1 » فمقام العبودية هو المقام المحمود الرفيع وهو لواء الحمد الشامخ المنيع . واعلم أن اللّه تعالى جعل الوجود بأسره مرموزا في قرص الشمس ، تبرزه القوى الطبيعية في الوجود شيئا فشيئا بأمر اللّه تعالى ، فالشمس نقطة الأسرار ودائرة الأنوار ، أكثر الأنبياء أهل التمكين في دائرة هذا الفلك المكين مثل عيسى وسليمان وداود وإدريس وجرجيس وغيرهم ممن يكثر عدده ويطول أمده ، كلهم نازلون في هذا المنزل الجلي ، وقاطنون في هذا المقام العليّ ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل إلى الصراط السوي . وأما السماء الخامسة ، فإنها سماء الكوكب المسمى بهرام ، وهو مظهر العظمة الإلهية والانتقام ، نزل به يحيى عليه السلام لمشاهدته العظمة والجبروت وملاحظته العزة والملكوت ، ولهذا لم يهم بزلة ، وما منهم إلا من همّ أو جاء بخلة ، سماؤه مخلوقة من نور الوهم ولونها أحمر كالدم ، وملائكة هذه السماء خلقهم اللّه تعالى مراثي للكمال ومظاهر للجلال ، بهم عبد اللّه في هذا الوجود ، وبهم دان أهل التقليد للحق بالسجود ، جعل اللّه عبادة هذه الملائكة تقريب البعيد وإيجاد الفقيد ؛ فمنهم من عبادته تأسيس قواعد الإيمان في القلب والجنان ، ومنهم من عبادته طرد الكفار عن عالم الأسرار ؛ ومنهم من عبادته شفاء المريض وجبر الكسر المهيص ، ومنهم من خلق لقبض الأرواح فيقبض بإذن الحاكم ولا جناح وحاكم هذه السماء الأثيل هو الملك المسمى عزرائيل ، وهو روحانية المريخ صاحب الانتقام والتوبيخ ، جعل اللّه تعالى محتد هذا الملك هذه السماء ومنصته عند القلم الأعلى ، لا ينزل ملك إلى الأرض للانتقام ولا لقبض الأرواح ولا لنشر انتظام إلا بأمر هذا الملك الذي هو روحانية بهرام . واعلم أن اللّه تعالى جعل دور هذه السماء مسيرة تسع عشرة ألف سنة وثمان

--> ( 1 ) آية ( 1 ) سورة الإسراء .