عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

233

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

الكواكب السيارة ، فإن كل كوكب منها يقابل نور الشمس في جميعها ، فمثلها مثل البلورة الشفافة إذا وقع فيها النور سرى في ظاهرها وباطنها بخلاف القمر فإنه كالكرة المعدنية المصقولة لا تقبل النور إلا في مقابلة الشمس ، ولهذا ينقص نوره في الأرض ويزيد بخلاف بقية الكواكب . واعلم أن السماوات بعضها محيط ببعض ، فأكبرها سماء زحل وأصغرها سماء القمر ، وهذه صورتها . وكل فلك مماس لسمائه من تحته وهو أمر معنوي ، لأنه اسم لسمت دوران الكوكب في أوجه ، والكوكب اسم للجرم الشفاف المنير من كل سماء ، ولو أخذنا في بيان الدقائق والثواني والدقائق والدرج والحلول والسمت والسير ، أو لو شرحنا خواص ذلك ومقتضياتها لاحتجنا إلى مجلدات كثيرة ، فلنعرض عن ذلك فليس المطلوب إلا معرفة اللّه تعالى ، وما ذكرنا هذا القدر من ظاهر الأشياء إلا وقد رمزنا تحتها أسرارا إلهيا جعلناها كاللبّ لهذا القشر « واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل » . وأما السماء الثانية : فإنها جوهر شفاف لطيف ولونها أشهب ، خلقها اللّه تعالى من الحقيقة الفكرية ، فهي للوجود بمثابة الفكر للإنسان ، ولهذا كانت محلا لفلك الكاتب وهو عطارد ، جعله اللّه تعالى مظهرا لاسمه القدير ، وخلق سماءه من نور اسمه العليم الخبير ، ثم جعل اللّه الملائكة الممدة لأهل الصنائع جميعها في هذه السماء ووكل بهم ملكا جعله روحانية هذا الكوكب ، وهذه السماء أكثر ملائكة من جميع السماوات ، ومنها ينزل العلم إلى عالم الأكوان ، وكانت الجن تأتي إلى صفيح سماء