عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

234

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

الدنيا فتسمع منها أصوات ملائكة السماء الثانية ، لأن الأرواح لا يمنعها البعد عن استماع الكلام ، لكن إذا كانت في عالمها ، وأما إذا لم تكن في عالمها كان حكمها حكم هذا العالم الذي هي فيه ، ولما كانت الجن أرواحا وهي في عالم الأجسام والكثافة ارتقت حتى بلغت نحو العالم الروحي وهو صفيح سماء الدنيا ، فسمعت بواسطة ذلك الارتقاء كلام ملائكة السماء الثانية لعدم الفاصل ، ولم يمكنها سماع الثالثة لحصول الفاصل ، فكذلك أهل كل مقام لا يكشفون إلا ما فوقهم بمرتبة واحدة ، فإذا حصل الفاصل وتعددت المراتب فلا يعرف الأدنى ما هو الأعلى فيه ، فلأجل ذا كانت الجن تدنو من سماء الدنيا فتسمع أصوات ملائكة السماء الثانية لتسترق السمع وترجع إلى مشركيها فتخبرهم بالمغيبات ، فهي الآن إذا رقت إلى ذلك المحل نزل بها الشهاب الثاقب فأحرقها ، وهو النور المحمدي الكاشف لأهل الحجب الظلمانية عن كثافة محتدهم ، فلا يمكنهم الترقي لاحتراق جناح طير الهمة فيرجع خاسرا حاسرا . رأيت نوحا عليه السلام في هذه السماء جالسا على سرير خلق من نور الكبرياء بين أهل المجد والثناء ، فسلمت عليه وتمثلت بين يديه ، فردّ علي السلام ورحب بي وقام ، فسألته عن سمائه الفكري ومقامه السري فقال : إن هذه السماء عقد جوهر المعارف ، فيها تتجلى أبكار العوارف ، ملائكة هذه السماء مخلوقة من نور القدرة ، لا يتصوّر شيئا في عالم الوجود إلا وملائكتها المتولية لتصوير ذلك المشهود ، فهي دقائق التقدير المحكمة لرقائق التصوير ، عليها يدور أمر الآيات القاهرة والمعجزات الظاهرة ، ومنها تنشأ الكرامات الباهرة ، خلق اللّه في هذه السماء ملائكة ليس لهم عبادة إلا إرشاد الخلق إلى أنوار الحق ، يطيرون بأجنحة القدرة في سماء العبرة ، على رؤوسهم تيجان الأنوار مرصعة بغوامض الأسرار ، من ركب على ظهر ملك من هذه الأملاك طار بجناحه إلى سبعة الأفلاك ، وأنزل الصور الروحانية في القوالب الجسمانية متى شاء وكيف شاء ، فإن خاطبها كلمته ، وإن سألها أعلمته ، جعل اللّه دور فلك هذه السماء مسيرة ثلاث عشرة ألف سنة وثلاثمائة سنة وثلاثا وثلاثين سنة ومائة وعشرين يوما يقطع كوكبها وهو عطارد في كل ساعة مسيرة خمسمائة سنة وخمس وخمسين سنة ومائة وعشرين يوما ، فيقطع جميع فلكه في مضي أربع وعشرين ساعة معتدلة ، ويقطع الفلك الكبير في مضي سنة كاملة ، وروحانية الملك الحاكم على جميع ملائكة هذه السماء اسمه نوحائيل عليه السلام ؛