عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

232

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كانت تدبره ، وهو كالحيوان والمعدن والنبات والمركب والبسيط ، أو على الصورة التي كانت الروح معناه ، وهو كالألفاظ والأعمال والأعراض والأغراض وما أشبه ذلك إذا كانت قد برزت من العالم العلمي إلى العالم العيني . وأما إذا كانت باقية على حالها في العالم العلمي ، فإنه يراها كذلك صورا قائمة عليها من أنواع الخلع ما سيكون أعمالا وأوصافا ، فالمظهر هنا الذي هو الجسد أو الصورة ، ولكن يعلم أن لا وجود لها حينئذ إلا من حيث هو ، فيأخذ منها ما شاء من معلوم ، لا من حيثيتها هي ، بل من حيثيته هو ، لكن على ما تقتضيه حقائقها ، بخلاف ما لو يراها بعد بروزها إلى العالم العيني فإنه يعلم أن وجودها حينئذ من حيثيتها هي ، فيكلمها وتجيبه بأنواع ما حوته من العلوم والحقائق ، وفي هذا المشهد اجتماع الأنبياء والأولياء بعضهم ببعض . أقمت فيه بزبيد بشهر ربيع الأول في سنة ثمانمائة من الهجرة النبوية ، فرأيت جميع الرسل والأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ، والأولياء والملائكة العالين والمقرّبين ، وملائكة التسخير ، ورأيت روحانية الموجودات جميعها ، وكشفت عن حقائق الأمور على ما هي عليه من الأزل إلى الأبد ، وتحققت بعلوم إلهية لا يسع الكون أن نذكرها فيه ، وكان في هذا المشهد ما كان . فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخير . غاص بنا غواص البيان في بحر هذا التبيان حتى ألجأ القدر إلى إبراز هذه الدرر ، فلنكتف من ذلك بما قد بدا فيها مما لم يخطر إظهاره أبدا ، ولنرجع إلى ما نحن فيه وبصدده من ذكر سماء الدنيا . اعلم أن اللّه تعالى خلق دور فلك سماء الدنيا مسيرة أحد عشر ألف سنة ، وهو أصغر أفلاك السماوات دورا ، فيقطع القمر جميع دور هذا الفلك في أربع وعشرين ساعة معتدلة أعني مستقيمة ، فيقطع في كل ساعة مسيرة أربعة آلاف سنة وخمسمائة عام ، ثم إن للقمر فلكا في نفس الفلك ، وكذلك كل كوكب فإن له فلكا صغيرا يدور بنفسه في الفلك الكبير ، فالفلك الأكبر بطيء الدورة ، وذلك الفلك الصغير سريع الدورة ، وما تراه من خنس الكواكب وهو رجوعها فإنه لاختلاف دور فلكها في دوران الفلك الكبير فتسبقه في الدور ، فيحسبها الشخص راجعة ولم ترجع إذ لو رجعت لخرب العالم بأسره . واعلم أن القمر جرم كمودي لا ضياء له في نفسه من حيث هو ، بل إنه قابل للشمس بنصفه أخذ منها النور فلا يزال نصفه منيرا ونصفه الذي لم يقابل الشمس يكون مظلما ، ولهذا لا يرى نور القمر إلا من جهة الشمس أبدا ، بخلاف بقية