عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
227
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
للآخرة فإن الآخرة أفضل منها وأشرف عند اللّه تعالى ، لما تقتضيه حقيقة الآخرة في نفسها ؛ ألا ترى إلى اللفظ مثلا كيف كان المعنى المفهوم منه أشرف وأعلى قدرا من اللفظ بما لا يتناهى ، على أن المعنى نتيجة اللفظ وفرعه ، ولولاه لم تفهم حقيقة المعنى ؛ فكذلك الدار الآخرة ولو كانت نتيجة الدنيا فإنها أفضل وأوسع وأشرف منها ، وسبب ذلك أنها مخلوقة من الأرواح ، والأرواح لطائف نورانية ؛ والدنيا مخلوقة من الأجسام ، والأجسام كثائف ظلمانية ؛ ولا شك أن اللطائف أفضل من الكثائف . ثم إنّ الآخرة دار العزّ والقدرة ، يفعل فيها من سلم من الموانع ما يشاء كأهل الجنة ، والدنيا دار الذلّ والعجز لا يقدر ملوكها على دفع أذى نملة منها ، ومع هذا فيحاسبون على نعيمها وهو نعيم زائل ، وأهل الآخرة يعقبهم على نعيم أفضل مما كانوا فيه ، فإن عطاء اللّه في الآخرة بغير حساب ، وعطاؤه في الدنيا بحساب لترتيب الحكمة الإلهية ، فإذا فهمت هذا وتحققته بلغت المراد . واعلم أن الآخرة بجملتها ، أعني الجنة والنار والأعراف والكثيب كلها دار واحدة غير منقسمة ولا متعددة ، فمن حكمت عليه حقائق تلك الدار كان في النار ؛ لأن أهل النار محكوم عليهم تحت ذلّ الانقهار ، ومن لم تحكم عليه حقائق تلك الدار كان في الجنة ، فمن احتكم في هذه الدار اللّه تعالى وأطاعه فإن اللّه تعالى يجعله حاكما في حقائق تلك الدار يفعل فيها ما يشاء ، ومن لم يحتكم للّه تعالى وعصاه في هذه الدار فإنه يكون محكوما عليه ، هناك تحكم عليه حقائق تلك الدار بما لا يسعه أن يخالف فيها ، كما أن أهل النار تحت حكم الزبانية بخلاف أهل الجنة . ألا ترى أن أهل الجنة يفعل الواحد منهم ما يشاء ولا يحكم عليه أحد بشيء ، ومن تحقق بعلم أمر تلك الدار وتمكن من التصرّف بما تحقق بعلمه كان في الأعراف ، والأعراف محل القرب الإلهي المعبر عنه في القرآن بقوله تعالى : عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ « 1 » ويسمى هذا المنظر بهذا الاسم للمعرفة ، وهو تحقق العلم الذي ذكرته لك ، وأهل الأعراف هم العارفون باللّه ، لأن من عرف اللّه تعالى تحقق بعلم أمر الآخرة ، ومن لم يعرفه لم يتحقق بعلمه . ألا ترى قوله عزّ وجلّ : وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ « 2 » يعني وعلى مقام المعرفة باللّه رجال نكّرهم لجلالة
--> ( 1 ) آية ( 55 ) سورة القمر . ( 2 ) آية ( 46 ) سورة الأعراف .