عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

228

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

شأنهم ، ولأنهم مجهولون عند غيرهم يعرفون كلا بسيماهم ، لأنهم عرفوا اللّه تعالى ومن عرف اللّه تعالى فلا يخفى عليه شيء . والكثيب مقام دون الأعراف وفوق جنات النعيم ، فكما يقع لأهل الجنة من زيادة المعرفة باللّه تعلو درجاتهم في الكثيب ؛ والفرق بين أهل الكثيب وأهل الأعراف أن أهل الكثيب خرجوا من دار الدنيا قبل أن يتجلى عليهم الحق فيها ، فلما انتقلوا إلى الآخرة كان محلهم في الجنة ، ويتفضل الحق عليهم بأن يخرجهم إلى الكثيب فيتجلى عليهم ، هنالك يتجلى على كلّ شيء بقدر إيمانه باللّه تعالى في الدنيا ، وبمعرفته بقدره سبحانه وتعالى ، وأهل الأعراف قوم لم يخرجوا من الدنيا إلا وقد تجلى اللّه سبحانه وتعالى عليهم وعرفوه فيها ؛ فلما خرجوا منها إلى الآخرة لم يكن لهم محل إلا عنده ، لأن من دخل بلادا وله فيها صاحب يعرفه لا ينزل إلا عنده ، بل ويجب على ذلك الصاحب أن لا ينزله إلا عنده ، فإذا كان هذا يفعله المخلوق فمن أولى به من الخالق تعالى ، ألا تراه قد صرّح سبحانه وتعالى أن ثمة قوما هم عند مليك مقتدر ، وهنا عجائب وغرائب لا يسع الوجود بأسره أن نذكرها على سبيل التصريح ، بل هي لدقتها وغموضها لا تفهم إلا بالإشارة والتلويح ، اللهم إلا إذا كان الناظر في الكتاب قد بلغ تلك المرتبة وعاين تلك الأمور العجيبة بما ليس يدري ، وأما العالم فليس لذكرنا هذه العجائب عنده فائدة إلا لازم الخبر ، وهو أن يعلم أنا علمنا ما علم وليس لنا في ذلك قصد فلنقبض العنان واللّه المستعان وعليه التكلان . الباب الثاني والستون : في السبع السماوات وما فوقها ، والسبع الأرضين وما تحتها ، والسبع البحار وما فيها من العجائب والغرائب ومن يسكنها من أنواع المخلوقات اعلم أيدك اللّه بروح منه أن اللّه تعالى كان قبل أن يخلق الخلق في نفسه ، وكانت الموجودات مستهلكة فيه ، ولم يكن له ظهور في شيء من الوجود ، وتلك هي الكنزية المحفية ، وعبر عنها النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بالعماء الذي ما فوقه هواء وما تحته هواء ، لأن حقيقة الحقائق في وجودها ليس لها اختصاص بنسبة من النسب ، لا إلى ما هو أعلى ولا إلى ما هو أدنى ، وهي الياقوتة البيضاء التي ورد الحديث عنها ، أن الحق سبحانه وتعالى كان قبل أن يخلق الخلق في ياقوتة بضياء ، الحديث ، فلما أراد الحق سبحانه وتعالى إيجاد هذا العالم نظر إلى حقيقة الحقائق ، وإن شئت قلت إلى